
المقال الثاني عشر: العُجْب… حين يُهلك الإنسان نفسه وهو يظن أنه من المحسنين”
المقدمة :
قال الله تعالى:﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، [النجم: 32].
وقال تعالى:﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾، [التوبة: 25].
من أخطر أمراض القلوب التي قد تصيب العابد، والعالم والداعية، وصاحب المال، وصاحب المنصب مرض العُجْب؛ لأنه مرض خفي يتسلل إلى القلب فيجعله يرى نفسه فوق غيره، وينسب الفضل إلى ذاته، وينسى أن كل نعمة إنما هي من الله تعالى.
والعجيب أن صاحبه قد يزداد عبادةً، ويكثر عمله، ويظن أنه يزداد قربًا من الله، بينما يكون قلبه قد امتلأ بآفة تمحق ثواب العمل، وتفسد الإخلاص، وتورث الكبر والغرور.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “المعاصي تلد الذل والانكسار، والطاعات قد تلد العجب والكبر إذا خلت من الإخلاص.”
أولًا: ما هو العُجْب؟:
العُجب هو: استعظام الإنسان نفسه أو عمله ،أو علمه ،أو نسبه، أو ماله، ورؤيته أنه أفضل من غيره، مع نسيان فضل الله عليه.
قال الإمام الغزالي:
“العجب هو استعظام النعمة مع نسيان نسبتها إلى المنعم.”
ثانيًا: الأدلة من القرآن الكريم:
قال تعالى:﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، [النجم: 32].
وقال تعالى:﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾، [التوبة: 25].
وفي هذه الآية تربية عظيمة؛ فقد بيَّن الله أن الإعجاب بالكثرة والقوة سبب للهزيمة حتى يعلم المؤمن أن النصر من عند الله وحده.
ثالثًا: الأدلة من السنة النبوية:
قال رسول الله ﷺ:
«ثلاثٌ مُهلكاتٌ: شُحٌّ مُطاع، وهوىً مُتَّبع، وإعجابُ المرءِ بنفسه.»
(رواه الطبراني، وحسنه جماعة من أهل العلم).
وقال ﷺ:«لو لم تُذنبوا لخفتُ عليكم ما هو أكبر من ذلك: العُجب.»(رواه البيهقي، وحسنه بعض أهل العلم بمجموع طرقه).
رابعًا: أسباب العُجب:
كثرة المدح والثناء.
الجهل بحقيقة النفس وضعفها.
الغفلة عن نعم الله.
كثرة الإنجازات مع قلة المحاسبة.
مقارنة النفس بالناس لا بالأنبياء والصالحين.
الشهرة والمال والمنصب.
نسيان الذنوب والتقصير.
خامسًا: أعراض العُجب:
كثرة الحديث عن النفس.
احتقار الآخرين.
رفض النصيحة.
طلب المدح والثناء.
نسبة النجاح إلى النفس.
استصغار أعمال الناس.
الغضب إذا لم يُقدَّر أو يُشكر.
سادسًا: تشخيص المرض:
إذا سألت نفسك بعد كل عمل:
هل أفرح لأن الله وفقني؟ أم لأن الناس رأوني؟
هل أنسب النجاح إلى الله؟ أم إلى ذكائي؟
هل أقبل النقد؟ أم أغضب منه؟
هل أرى نفسي أفضل من غيري؟
فالإجابة الصادقة تكشف موضع الداء.
سابعًا: آثار العُجب:
إحباط الأعمال.
قسوة القلب.
الوقوع في الكبر.
الحرمان من التوفيق.
ضعف الإخلاص.
مقت الناس ونفورهم.
البعد عن رحمة الله.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:
“الإعجاب ضد الصواب، وآفة الألباب.”
ثامنًا: العلاج:
استحضار أن كل نعمة من الله.
كثرة الاستغفار.
تذكر الذنوب والتقصير.
إخفاء العمل الصالح ما أمكن.
مصاحبة المتواضعين.
قبول النصيحة برحابة صدر.
الدعاء بالإخلاص والثبات.
قراءة سير الأنبياء والصالحين والتأمل في تواضعهم.
قال ابن حزم رحمه الله:
“العجب من أعظم الذنوب وأمحقها للأعمال.”
تاسعًا: أقوال السلف:
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“أخوف ما أخاف عليكم: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه.”
وقال الحسن البصري رحمه الله:
“المؤمن يجمع إحسانًا وخشية، والمنافق يجمع إساءةً وأمنًا.”
الخاتمة:
العُجب ليس مجرد شعور عابر، بل مرض يسرق بركة الطاعات، ويغلق أبواب التوفيق، ويحول العبادة إلى وسيلة لتعظيم النفس بدل تعظيم الله.
فليكن شعارنا دائمًا:
اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا تجعل في قلبي عجبًا ولا رياءً، واجعل عملي كله صالحًا، ولوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم.
٢)صحيح مسلم.
٣)سنن البيهقي.
٤)الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين.
٥)ابن القيم، مدارج السالكين.
٦)ابن حزم، الأخلاق والسير.
٧)موسوعة الأخلاق الإسلامية – الدرر السنية.



