دين ومجتمع

في الطريق إلي يثرب

بقلم / محمـــد الدكـــروري

عندما خرج رسول الله صلي الله عليه وسلم من مكة خرج حزينا مكلوما فبشره ربه سبحانه وتعالى كما فى سورة القصص قائلا ” إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ” وقد جاء في تفسير القرطبي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجرا فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة فأوحى الله إليه هذه الآية، ولما أصبحت المدينة هي دار دولة الإسلام أحبها كما أحب مكة، فإذا كان في سفر فاقترب من المدينة أسرع في سيره كما ذكر البخاري في صحيحه أنه إذا كان في سفر فأبصر المدينة أوضع راحلته أي أسرع , وفي الحديث دلالة على مشروعية حب الوطن والحنين إليه، وإن مفهوم التضحية هو بذل الغالي الرخيص وهو يختلف من شخص لآخر تبعا لما يعتقده الإنسان ويتعلق به.

 

فتجد أن الإنسان إذا أحب شيئا ما فإنه يضحي من أجله، فهذا عروة بن الزبير لما تعلق حب الله في قلبه ضحي بقطع ساقه وهو ساجد حتى لا يغفل قلبه عن ذكر الله لحظة فالمحب يهيم في محبوبه حتى لا يكاد يرى غيره، ويروى أن قيس بن الملوح مجنون ليلى تابع كلب ليلى ليدله، فمر على قوم يصلون، وعندما عاد مارا بهم قالوا له ترانا نصلي ولا تصلي معنا ؟ قال كنتم تصلون ؟ قالوا نعم، فقال والله ما رأيتكم، ولو كنتم تحبون الله كما أحب ليلى ما رأيتموني، فهذا مشغوف بحب ليلى حتى حجبه حبها عن رؤية المصلين، ونرى أن الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم أجمعين كانوا دائما يضحون بأرواحهم فداء لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان هذا نابع من حبهم له، ففي طريق الهجرةز

 

كما ذكر ابن القيم في زاد الميعاد، والبيهقي في الدلائل ” أن أبا بكر الصديق ليلة انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى الغار، كان يمشي بين يديه ساعة، ومن خلفه ساعة، فسأله، فقال أذكر الطلب يعنى ما يأتي من الخلف، فأمشي خلفك، وأذكر الرصد أى المترصد في الطريق، فأمشي أمامك، فقال صلى الله عليه وسلم ” لو كان شيء أحببت أن تقتل دوني؟ ” قال أي والذي بعثك بالحق، فلما انتهيا إلى الغار قال مكانك يا رسول الله حتى أستبرئ لك الغار، فاستبرأه ” وهذا زيد بن الدثنة قال له أبو سفيان حين قدّم ليقتل ” أنشدك بالله يا زيد، أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك ؟ قال والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنى جالس في أهلى.

 

فقال أبو سفيان ” ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا” ولقد كان لهجرة النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم تداعيات كبرى على الدعوة المحمدية التي جاءت تحمل في طياتها قيما روحانية سامية، جعلت الحضارة الإسلامية تتبوأ مكانة رفيعة بين الحضارات، وإن الهجرة إلى المدينة سبقها تمهيد، وإعداد، وتخطيط من النبى صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك بتقدير الله تعالى، وتدبيره، وكان هذا الإعداد في اتجاهين، هو إعداد في شخصية المهاجرين، وإعداد في المكان المهاجر إليه، فقد حدث أولا التمهيد، والإعداد لها من حيث إعداد المهاجرين، فلم تكن الهجرة نزهة، أو رحلة يروح فيها الإنسان عن نفسه ولكنها مغادرة الأرض، والأهل، ووشائج القربى، وصلات الصداقة والمودة.

 

وأسباب الرزق، والتخلي عن كل ذلك من أجل العقيدة، ولهذا احتاجت إلى جهد كبير، حتى وصل المهاجرون إلى قناعة كاملة بهذه الهجرة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock