
إن سلامة الصدر من أفضل الأعمال، فالسعيد حقا من لقي ربه بقلب طاهر من الغل والحقد، عامر بالإخلاص والمحبة واليقين، إذ لا نجاة في ذلك اليوم إلا لأصحاب القلوب السليمة، وإن سلامة الصدر عبادة قلبية عظيمة تمنح صاحبها سكينة النفس وطمأنينة الروح، وتحرره من أثقال الأحقاد والضغائن التي تستهلك القلب وتكدر صفو الحياة، فالمؤمن الصادق لا يرضى أن يحمل في قلبه غشا لأحد من المسلمين، ولذلك أوصى النبي صلي الله عليه وسلم أنس بن مالك رضي الله عنه بهذه الوصية الجامعة ” يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل ” لأن القلب النقي أقرب إلى اتباع السنة وأدنى إلى مرافقة النبي صلي الله عليه وسلم في الجنة، ولذلك أتبعها صلي الله عليه وسلم بقوله ” يا بني وذلك سنتي ومن أحيا سنتي، فقد أحياني، ومن أحياني، كان معي في الجنة ” رواه الترمذي.
وقد زكّى القرآن الكريم قلوب المؤمنين بهذا المعنى الرفيع، فجعل من دعاء أهل الإيمان أن يسألوا ربهم تطهير قلوبهم من الغل والحسد، فصلاح المجتمع يبدأ من القلوب التي امتلأت رحمة ومحبة ودعاء لإخوتها، وسلامة الصدر من أسباب نيل مغفرة الله تعالى ورحمته، ولذلك جاء التحذير الشديد من الشحناء والبغضاء لأنهما يحجبان العبد عن مواسم الخير والرحمات، فكم من قلب حُرم نفحات المغفرة بسبب ضغينة استقرت فيه ولم يسع صاحبها إلى اقتلاعها، ولهذا كان السلف الصالح يعدّون سلامة الصدر من أعظم ما يدخره العبد لآخرته، وأن الأعمال الظاهرة تكتمل بصفاء الباطن، وأن القلب السليم من أجل ما يلقى به العبد ربه، ومن هنا أكد أهل التربية والسلوك أن نور القلب وصفاءه لا يتحققان إلا بسلامة الصدر، فقال الحارث المحاسبي “اعلم أنه لا طريق أقرب من الصدق، ولا دليل أنجح من العلم، ولا زاد أبلغ من التقوى،
وما رأيت أنفى للوسواس من ترك الفضول، ولا أنور للقلب من سلامة الصدر” فكلما طهر العبد قلبه من الفضول والعداوات، ازداد بصيرة وهداية وإقبالا على الله تعالى، وانفتحت له أبواب الطمأنينة التي يفتقدها كثير من الناس، والعبرة في ميزان الله تعالى بحقيقة ما يستقر في القلب من صفاء وإخلاص ومحبة للخلق، ولذلك قال بعض الصالحين “أفضل الأعمال سلامة الصدور، وسخاوة النفوس، والنصيحة للأمة، وبهذه الخصال بلغ من بلغ، لا بكثرة الإجتهاد في الصوم والصلاة” فكم من عمل قليل عظم عند الله لما صاحبه من نقاء القلب، وكم من عمل كثير حرم صاحبه بركته بسبب ما امتلأ به قلبه من غل أو حسد أو بغضاء، ومن كمال خُلق النبي صلي الله عليه وسلم وعظيم أدبه أنه كان يحرص على بقاء قلبه نقيا تجاه أصحابه، بعيدا عن أسباب الجفوة وسوء الظن، فإنها مدرسة نبوية تُعلم المؤمن أن يحفظ قلبه من سماع ما يورث الضغائن.
وأن يلتمس لإخوته الأعذار، ليظل رابط المحبة أقوى من دواعي الفرقة والنزاع، وقد بيّن النبي صلي الله عليه وسلم أن صفاء القلب من أعظم أسباب التفاضل بين الناس، فلما سُئل “أي الناس أفضل؟” أجاب بقوله صلي الله عليه وسلم ” كل مخموم القلب صدوق اللسان” ثم فسّر مخموم القلب بأنه ” التقي النقي لا إثم فيه ولا بفي ولا غل ولا حسد ” رواه ابن ماجه، فاجتمع له صلاح الظاهر بصدق اللسان، وصلاح الباطن بطهارة القلب، فاستحق بذلك منزلة الفضل بين الخلق، ومن ثمار سلامة الصدر أن يتحول القلب إلى منبع للخير العام، فيفرح بما ينفع المسلمين وإن لم يكن له فيه حظ خاص أو مصلحة شخصية، فإذا طهرت القلوب من الحسد والغل، وامتلأت بالنصيحة والمحبة، صارت أقرب إلى الله تعالى، وأعظم أثرا في إصلاح الخلق، وكان صاحبها من أهل القلوب المخمومة التي أثنى عليها النبي صلي الله عليه وسلم وجعلها عنوانا لأفضل الناس وأكرمهم عند الله.
وكما أن التأليف بين قلوب من بعث إليهم رسول الله صلي الله عليه وسلم من الآيات الباهرة، لأن العرب لما فيهم من الحمية والعصبية، والانطواء على الضغينة لا يكاد يأتلف منهم قلبان، ثم ائتلفت قلوبهم على اتباع رسول الله صلي الله عليه وسلم واتحدوا، وأنشأوا يرمون عن قوس واحدة، وذلك لما نظم الله من ألفتهم، وجمع من كلمتهم، وأحدث بينهم من التحاب والتواد، وأماط عنهم من التباغض والتماقت، وكلفهم من الحب، في الله والبغض في الله، ولا يقدر على ذلك إلا من يملك القلوب، فهو يقلبها كيف يشاء، ويصنع فيها ما يريد، قيل هم الأوس والخزرج، كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم، ودق جماجمهم ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى، وبينهما التجاور الذي يهيج الضغائن، ويديم التحاسد والتنافس، فأنساهم الله تعالى ذلك كله، حتى اتفقوا على الطاعة، وتصافوا وصاروا أنصارا، وعادوا أعوانا، وما ذاك إلا بلطيف صنعه، وب
ليغ قدرته”



