
جاء أن سعيد بن المسيب وهو سيد التابعين رحمه الله، خطب إبنته الخليفة عبدالملك بن مروان لابنه الوليد، فأبى عليه، وزوّجها لتلميذه عبدالله بن أبي وداعة، فيقول كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياما، فلما جئته، قال أين كنت؟ قلت توفيت أهلي، فاشتغلت بها، فقال ألا أخبرتنا، فشهدناها؟ ثم قال هل استحدثت امرأة؟ فقلت يرحمك الله، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟ قال أنا، فقلت وتفعل؟ قال نعم، ثم تحمّد، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجني على درهمين، فقمت، وما أدرى ما أصنع من الفرح، فصرت إلى منزلى، وجعلت أتفكر فيمن أستدين، فصليت المغرب، ورجعت إلى منزلى، وكنت وحدي صائما، فقدمت عشائي أفطر، وكان خبزا وزيتا، فإذا بابي يُقرع، فقلت من هذا؟ فقال سعيد، فأفكرت في كل من اسمه سعيد إلا ابن المسيب، فإنه لم يُرى أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فخرجت، فإذا سعيد، فظننت أنه قد بدا له، فقلت يا أبا محمد، ألا أرسلت إليّ فآتيك؟
قال لا، أنت أحق أن تؤتى، إنك كنت رجلا عزبا، فتزوجت، فكرهت أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك، فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثم أخذ بيدها، فدفعها في الباب، وردّ الباب، فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب، ثم وضعت القصعة في ظل السراج لكيلا تراها، ثم صعدت السطح، فرميت الجيران، فجاؤوني، فقالوا ما شأنك؟ فأخبرتهم، ونزلوا إليها، وبلغ أمي، فجاءت، وقالت وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام، فأقمت ثلاثا، ثم دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس، وأحفظ الناس لكتاب الله، وأعلمهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفهم بحق زوج، فمكثت شهرا لا آتي سعيد بن المسيب، ثم أتيته وهو في حلقته، فسلمت، فرد عليّ السلام، ولم يكلمني حتى تقوض المجلس، فلما لم يبقى غيرى، قال ما حال ذلك الإنسان؟ قلت خير يا أبا محمد، على ما يحب الصديق، ويكره العدو، قال إن رابك شيء، فالعصا، فانصرفت إلى منزلي.
فوجه إليّ بعشرين ألف درهم، ولقد أمر الله تبارك وتعالى بإنكاح الأيامى أمرا مطلقا ليعم الغني والفقير، وبيّن أن الفقر لا يمنع التزويج، فالأرزاق بيده سبحانه، وهو قادر على تغيير حال الفقير حتى يصبح غنيا، وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد رغبت في الزواج وحثت عليه، فإن على المسلمين أن يبادروا إلى امتثال أمر الله، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بتيسير الزواج وعدم التكلف فيه، وبذلك ينجز الله لهم ما وعدهم، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه “أطيعوا اللهَ فيما أمركم به من النكاح، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى” فإن غلاء المهور سبب رئيسى لقلة الزواج، وكثرة الأيامى، وانتشار الفساد، والتبرج والسفور، والفتن والعرى، والشهوات والرذائل، وانتشار الزنا وتنوع الشذوذ، وانتشار العنوسة، وظهور الأمراض الاجتماعية والنفسية، والفقر وعدم البركة في الزواج، وإن غلاء المهور هو غش من الولي لموليته، وعدم إدراك لقيمة الزواج وأهدافه الرئيسية.
وإن المغالاة في المهور تجعل الزوجة كأنها سلعة تباع وتشترى، مما يخل بالمروءة، وينافي الشيم ومكارم الأخلاق، ولو عقل المغالون في المهور، لبحثوا هم لبناتهم عن الأزواج الأكفاء، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعرض ابنته حفصة على عثمان ليتزوجها، ثم على أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما “أن عمر بن الخطاب حين تأيّمت حفصة بنت عمر من خُنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفى بالمدينة، فقال عمر بن الخطاب أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة، فقال سأنظر في أمرى، فلبثت ليالي ثم لقينى، فقال قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت إن شئت زوّجتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إليّ شيئا، وكنت أوجد عليه مني على عثمان، فلبثت ليالى ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر فقال.
لعلك وجدت عليّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك شيئا، قال عمر قلت نعم، قال أبو بكر فإنه لم يمنعنى أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلا أني كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسول الله عليه وسلم قبلتها” وهذا نبى الله شعيب عليه السلام يعرض ابنته على نبى الله موسى عليه السلام المطارد من فرعون وقومه، فيقول تعالى فى سورة القصص ” قال إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين”



