مقالات وآراء

نطاق رقابة القضاء الإداري على القرارات الصادرة عن الهيئات التنظيمية المستقلة

بقلم د-أحمد صفوت السنباطي

يعد تحديد نطاق رقابة القضاء الإداري على القرارات الصادرة عن الهيئات التنظيمية المستقلة من أكثر الإشكاليات القانونية إلحاحاً في ظل تحول الدولة الحديثة من نموذج الإدارة المباشرة إلى نموذج الإدارة غير المباشرة القائمة على إنشاء كيانات متخصصة تنأى بنفسها عن السلطة التنفيذية التقليدية، فالهيئات المستقلة مثل هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات وهيئة المنافسة ومنع الاحتكار وهيئة الطاقة الذرية، تتمتع بقدر كبير من الاستقلال الفني والمالي والإداري، وتصدر قرارات غالباً ما تتطلب خبرات فنية دقيقة لا تتوافر بالضرورة لدى القاضي الإداري، ومع ذلك تظل خاضعة لرقابته من حيث المبدأ، لأن أي سلطة تمارس وظائف إدارية لا يمكن أن تكون بمنأى عن مبدأ المشروعية الذي يمثل جوهر القانون الإداري، غير أن هذه الرقابة تختلف في عمقها ومداها عنها في القرارات الصادرة عن الوزارات والمحافظات، حيث تتوقف درجة التدخل القضائي على تمييز دقيق بين نوعين من المسائل المسائل القانونية البحتة التي تستدعي رقابة كاملة، والمسائل الفنية التي تستدعي رقابة محدودة تقتصر على الخطأ الجسيم في التقدير.

في مجال المسائل القانونية، يمارس القضاء الإداري رقابة كاملة غير مقيدة بسلطة الهيئة المستقلة، وهذه الرقابة تشمل عيوب الاختصاص، أي ما إذا كان القرار قد صدر من هيئة مختصة بإصداره أم أنها تجاوزت حدود اختصاصها المكاني أو النوعي، وتشمل أيضاً عيوب الإجراءات، كأن تصدر الهيئة قراراً مهماً دون إجراء تحقيق أو دون إعطاء صاحب الشأن حق الدفاع عن نفسه أو دون اتباع شكل معين نص عليه قانون إنشائها، كما تشمل عيوب السبب، أي أن تبنى الهيئة قرارها على سبب غير حقيقي أو غير قانوني أو غير موجود أصلاً، وتشمل عيوب الغاية أو انحراف السلطة، كأن تستخدم الهيئة سلطتها في فرض جزاء على شركة اتصالات ليس لحماية المنافسة بل للانتقام منها بسبب موقف سياسي أو إعلامي، وهذه الرقابة الكاملة لا تثير أي إشكال، لأن القاضي الإداري هنا يتحرك في مجاله الطبيعي وهو تفسير النصوص القانونية والتأكد من احترام الإجراءات، دون أن يحتاج إلى خبرة فنية.

أما الإشكال الحقيقي فينشأ في مجال الرقابة على المسائل الفنية التي تتعلق بجوهر القرار، مثل تقدير الهيئة لمستوى الإشعاع المسموح به في موقع محطة نووية، أو حساب حصة شركة اتصالات من الطيف الترددي، أو تحديد ما إذا كان اندماج شركتين سيؤدي إلى إضعاف المنافسة في السوق، وهنا يقرر الفقه الإداري المستقر وقضاء مجلس الدولة أن القاضي لا يدخل في ملابسات العمل الفني ولا يعيد تقدير المسألة من الصفر، بل يكتفي بمراقبة ما يسمى بـ”الخطأ الجسيم في التقدير” أو “الخطأ الواضح”، ومعنى ذلك أنه إذا كان تقدير الهيئة معقولاً ومستنداً إلى منهجية علمية سليمة ومراعياً لجميع البيانات المتاحة، فإن القاضي لا يتدخل حتى لو كان يرى أن تقديراً آخر كان ممكناً أو حتى أفضل، أما إذا كان التقدير خارجاً عن كل منطق، أو مخالفاً لبديهيات العلم، أو قائماً على تجاهل متعمد لبيانات جوهرية، فإن القاضي يعد ذلك خطأ جسيماً يستوجب الإلغاء، وهذه الرقابة تسمى أحياناً “الرقابة على المشروعية الموسعة”، وهي تحقق توازناً دقيقاً بين ضرورة احترام خبرة الهيئة المستقلة وضرورة ألا تتحول هذه الاستقلالية إلى حصانة ضد المساءلة.

يتسع نطاق هذه الرقابة المحدودة تدريجياً بفعل تطور ذات القاضي الإداري الذي أصبح أكثر قدرة على فهم التقارير الفنية بالاستعانة بالخبراء المعينين من قبل المحكمة، وباتجاه بعض التشريعات الحديثة إلى إلزام الهيئات المستقلة بتسبيب قراراتها الفنية بشكل مفصل يسمح بمراقبة منطق الاستدلال وليس النتيجة فقط، كما أن المحاكم الإدارية العليا في مصر استقرت على مبدأ أنها تفرق بين الخطأ في تقدير الوقائع الذي قد تتدخل لتصحيحه إذا كان جسيماً، وبين الخطأ في اختيار السياسة التنظيمية الملائمة الذي لا تتدخل فيه، لأن هذا من صميم السلطة التقديرية للهيئة، وبذلك يتحدد نطاق الرقابة الإدارية على قرارات الهيئات المستقلة في كونه رقابة قانونية كاملة على عناصر المشروعية الخارجية، ورقابة محدودة بالخطأ الجسيم على عناصر المشروعية الداخلية ذات الطابع الفني، ويظل الباب مفتوحاً أمام الفقه القضائي لتطوير هذه الضوابط بما يتلاءم مع تزايد دور الهيئات المستقلة في رسم السياسات الاقتصادية والتنظيمية ل

لدولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock