مقالات وآراء

توهم التعارض بين المحكم والمتشابه.. 

بقلم د- كامل عبد القوي النحاس

كيف يحمي القرآن الكريم نفسه من التناقض؟

سلسلة بقلم الأديب المفكر:

أ- قاعدة الأم وبوصلة الفهم الصحيح

حين يضيع المعنى في فخ الاجتزاء

هل يمكننا فهم قانون كامل من خلال قراءة مادة واحدة منه بمعزل عن روح الدستور؟

 

أو الإحاطة برواية أدبية عبر قراءة صفحة واحدة من منتصفها؟

 

بالتأكيد لا.

 

هكذا يخبرنا القرآن الكريم عن نفسه؛

فهو ليس مجرد كلمات متناثرة أو جمل مقطوعة، بل هو نظام واحد متكامل، يشبه البناء المرصوص الذي يشد بعضه أزر بعض؛ يفسر بعضه بعضاً ويحكم بعضه على بعض.

 

إن أكبر خطأ يقع فيه الفهم البشري المعاصر هو التعامل مع الآيات كأنها جزيئات مستقلة لا رابط بينها،

مما يفتح الباب لما يسمى التعارض المتوهم،

بينما الحقيقة هي أن القرآن وضع بنفسه قانوناً داخلياً يحمي العقل من الاضطراب، ويحفظ القارئ من التيه في دهاليز الشبهات.

 

1- المصدر واحد والانسجام مطلق

 

تبدأ رحلة الفهم الصحيح من قوله تعالى:

 

هو الذي أنزل عليك الكتاب.

سورة آل عمران

 

هنا رسالة حاسمة لكل قارئ:

 

قف فى جلال البيان الإلهى موقف الأدب

 

ما دام الكتاب من عند الله وحده، فلا يمكن أن تتصادم آياته أو تتناقض مقاصده مهما بدا لك ذلك متوهما في الظاهر.

 

هذا الانسجام المطلق هو المسطرة التي يجب أن يقيس عليها كل باحث فهمه؛

فكل معنى يؤدي بك إلى تناقض هو بالضرورة نتيجة فهم بشري قاصر، وليس خللاً في البناء الإلهي الذي يتسم بالوحدة والاتساق.

 

2- الواضح والمحتمل..

ميزان القرآن لضبط العقل

 

لقد رسم القرآن خارطة طريق واضحة للعقل البشري، فقسم آياته إلى مستويين لضبط الفهم:

 

• آيات محكمات:

وهي النصوص الواضحة كالشمس في رابعة النهار، التي لا يختلف على معناها عاقل، وهي التي تمثل القاعدة الصلبة للديانة والتشريع.

 

• آيات متشابهات:

وهي نصوص قد تحتمل أكثر من وجه أو معنى لو قرأناها وحدها بعيداً عن بقية النصوص التي تشبهها.

 

والقاعدة القرآنية هنا بسيطة ومبهرة:

 

المتشابه ليس لغزاً يعجز العقل، بل هو نص يدعوك لأن تبحث عن شقيقه المحكم ليوضح لك مراده، ويضبط لك وجهته الصحيحة.

 

3- سر التسمية العجيب: لماذا وصف الله الواضحات بـ أم الكتاب؟

 

منه آيات محكمات هن أم الكتاب. آل عمران

 

هذا الوصف العبقري هن أم الكتاب هو قلب المنهج القرآني كله.

فالأم في لغة العرب هي الأصل الذي نعود إليه دائماً عند الحيرة، وهي الحضن والمرجع الذي يلم شمل الأبناء ويحتويهم.

 

في علم الفهم، المحكم هو القاعدة الأم،

والمتشابه هو الفرع التابع.

 

ولا يمكن للفرع أبداً أن ينقض أصله أو يتمرد عليه، بل يجب أن يُفهم بما يتوافق مع كلام الأم الواضح.

 

وبدون هذا الربط، يصبح المتشابه كغريب ضلّ طريق بيته، لا يُعرف له مستقر ولا معنى.

 

4- الفخ المنهجي:

كيف تضيع بوصلة الحقيقة؟

 

يحذرنا القرآن من منهج خطير يتبعه البعض عن قصد أو غير قصد،

 

وهو ترك الواضحات المحكمات والتعلق بآية واحدة محتملة أو متشابهة لبناء أفكار غريبة أو شبهات متهافتة.

 

يسمي القرآن هذا المسلك زيغاً،

لأنه يبدأ من الفرع ليضرب الأصل، ويبحث عن تشتيت المعنى وإثارة البلبلة بدلاً من البحث عن الهداية واليقين.

فالمشكلة ليست في النص، بل في القارئ الذي جعل من المتشابه حكماً على المحكم، ففقد الميزان وضل الطريق.

 

الخلاصة:

 

القرآن ميزان دقيق، ومن أضاع ميزانه ضلّ في فهمه.

 

والقاعدة الذهبية التي لا تخيب أبداً هي:

 

اجعل الواضح المحكم حكماً على المحتمل المتشابه، يستقم لك المعنى، وتختفِ ظلال التعارض أمام أنوار الحقيقة الكاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock