
جاءَ يَبُوحُ.. كأنَّ البَوْحَ غُفْرَانُ
وفي حَنَايَاهُ لِلْخِذْلَانِ عُنْوَانُ
أَلْقَى اعْتِرَافَاً بَقِيْدِ الصَّدِّ يَحْسَبُهُ
صِدْقَاً.. وَمَا هُوَ إِلَّا الغَدْرُ أَلْوَانُ
يَقُولُ: “أُخْرَى مَعِي”.. يَبْغِي بِيَ انْكِسَارَاً
وَيَرْتَجِي أَنْ يَرَى كَيْفَ الدَّمْعُ هَتَّانُ
فَوَقَفْتُ كَالطَّوْدِ لَا تَهْتَزُّ عاصِفَتِي
وَفِي عُيُونِي جَلَالُ الصَّمْتِ سُلْطَانُ
أَنَا التي لَا تَقُصُّ الوَصْلَ نَاقِصَةً
وَلَا يُمَازِجُ حُبِّي اليَوْمَ نُقْصَانُ
إِنْ شِئْتَ رِحْلَةَ غَيْرِي خُذْ مَوَاقِدَهَا
فَمَا لِقَلْبِي بِدَرْبِ الزَّيْفِ نِيرَانُ
اذْهَبْ إِلَيْهَا.. فَمَا كَانَتْ لِتَجْمَعَنَا
أَرْضٌ، وَلَا لِقِيَاسِ الطُّهْرِ مِيزَانُ
لَقَدْ ظَنَنْتَ بِأَنَّ الصَّدَّ يُوجِعُنِي
وَمَا دَرَيْتَ بِأَنَّ الفَقْدَ رَيْحَانُ
أَنَا الَّتِي صَاغَتِ الأَحْلَامَ غَالِيَةً
فَلَا يُبَاعُ لَهَا فِي السُّوقِ قُرْبَانُ
ارْحَلْ سَرِيعاً فَمَا فِي البُعْدِ خُسْرَانُ
وَاتْرُكْ فُؤَادِي فَقَدْ دَاوَاهُ نِسْيَانُ
طَوَيْتُ غَدْرَكَ لَمْ أَنْظُرْ لِخَيْبَتِهِ
وَالشَّمْسُ لَا يَحْوِ بَعْضَ النُّورِ كِتْمَانُ
مَا كُنْتَ يَوْمَاً مَلَاكَاً نَبْتَغِي صِلَةً
بَلْ كُنْتَ وَهْمَاً مَحَاهُ الصِّدْقُ إِذْ بَانُوا
فَاذْهَبْ كَمَا شِئْتَ لَا مَاضٍ وَلَا أَثَرٌ
إِنَّ العَزِيزَةَ لَا يُثْنِيهَا خِذْلَانُ
دَعْ عَنْكَ مَعْذِرَةً جَاءَتْ بِلَا خَجَلٍ
مَا عَادَ يُجْدِي مَعَ الإِعْرَاضِ غُفْرَانُ
لَقَدْ مَضَى عَهْدُ صَبْرِي دُونَ رَاجِعَةٍ
وَالْيَوْمَ لِي عِزَّةٌ فِيهَا سُلَيْمَانُ
فَاسْلُكْ طَرِيقَكَ لَا تَلْوِ المَدَامِعَ كَي
تَحْظَى بِعَطْفٍ، فَإِنَّ العَطْفَ قَدْ بَانُوا
فَلَسْتُ مِمَّنْ يَعِيشُ العُمْرَ يَنْدُبُهُ
وَلَسْتُ مِمَّنْ كَسَاهُ الضَّعْفُ كُفْرَانُ
أَنَا العَصِيَّةُ مَا هَانَتْ لِعَاصِفَةٍ
وَلَا اسْتَبَاحَ حِمَى عِلْيَايَ خُسْرَانُ
سَأَحْمِلُ النَّفْسَ كَالأَمْجَادِ مَرْفُوعَةً
وَيَكْتُبُ المَجْدُ أَنَّ الحُرَّ صَوَّانُ
فَلْيَهْطِلِ الدَّمْعُ يَا نَفْسِي فَقَدْ طَهُرَتْ
مِنْ دَنَسِ وَهْمٍ تَبَدَّى فِيهِ بَهْتَانُ
تِلْكَ الدُّمُوعُ لَآلٍ فِي كَرَامَتِهَا
تَغْسِلْ غُبَاراً رَعَاهُ اليَوْمَ نُكْرَانُ
أَبْكِي الحَيَاةَ الَّتِي ضَاعَتْ مَوَاسِمُهَا
فِي جَدْبِ قَلْبٍ عَمِيقِ الغَدْرِ خَوَّانُ
أَبْكِي عَلَى ثِقَةٍ جَادَتْ بِأَثْمَنِ مَا
تَمْلِكُهُ نَفْسٌ.. وَلَكِنْ خَانَ إِنْسَانُ
مَا كَانَ يَسْتَأْهِلُ الأَيَّامَ أَجْمَعَهَا
وَلَا حَنِيناً بِهِ المِحْرَابُ عِمْرَانُ
فَلْتَسْكُبِي الدَّمْعَ حَتَّى يَنْتَهِي شَجَنِي
وَيُولَدَ الصُّبْحُ حُرّاً.. فِيهِ سُلْطَانُ



