أروقة القانون… وحياة الناس حملة الماجستير والدكتوراه بين مطرقة التشريعات وسندان البطالة
بقلم: حسين عبيد

في الوقت الذي تمضي فيه الدولة المصرية بخطوات متسارعة نحو بناء الجمهورية الجديدة، تظل قضية حملة الماجستير والدكتوراه اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الدولة على الاستفادة من ثروة بشرية وعلمية تُقدَّر كلفتها بمليارات الجنيهات سنويًا. وتشير تقديرات غير رسمية إلى وجود آلاف العاطلين من هذه الفئة، في انتظار بيانات دقيقة تعكس حجم الظاهرة بشكل أكثر وضوحًا.
وقد شهدت السنوات الأخيرة جهودًا ملموسة في مجالات التحول الرقمي وتطوير الخدمات الحكومية، غير أن نجاح هذه الجهود لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل يرتبط بوجود كوادر بشرية مؤهلة علميًا قادرة على الإدارة والتطوير. وهنا يبرز التساؤل الأكثر إلحاحًا: لماذا يجد كثير من حملة الدراسات العليا أنفسهم في وظائف لا تتناسب مع مؤهلاتهم، أو خارج سوق العمل تمامًا، رغم أن الدستور يكفل تولي الوظائف العامة على أساس الكفاءة وتكافؤ الفرص؟
إن المحليات والجهات الإدارية تمثل مجالًا مهمًا لاستيعاب هذه الكفاءات، غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في النصوص بقدر ما تكمن في آليات التنفيذ. فغياب سياسات واضحة لتخصيص نسبة من الوظائف للخبراء وأصحاب الدراسات العليا داخل الإدارات المحلية، أو عدم وجود آليات تمويل وتوظيف مرتبطة بمشروعات التنمية، يجعل الأمر أقرب إلى الطرح النظري منه إلى التطبيق الفعلي.
كما أن التركيز على القطاع الحكومي وحده يحدّ من فرص الحل، في حين يمكن تفعيل دور القطاع الخاص عبر حوافز ضريبية وتشجيعية لاستيعاب هذه الكفاءات في مجالات البحث والتطوير والابتكار، بما يخلق شراكة حقيقية في التنمية.
إن الجمهورية الجديدة لا تحتاج فقط إلى نصوص وتشريعات، بل إلى آليات تنفيذ تحول هذه النصوص إلى واقع ملموس. فحملة الماجستير والدكتوراه ليسوا عبئًا على الدولة، بل طاقة معطلة تنتظر أن تُنقل من أروقة القانون إلى حياة الناس.



