
شهد الفضاء الثقافي العربي المعاصر حراكاً نقدياً استثنائياً تجلّى في تلك الندوة الفكرية الرفيعة التي أقامها اتحاد التدريسيين الجامعيين العالمي برعاية كريمة ودؤوبة من الدكتورة فاطمة سويح، للاحتفاء بمناقشة الرواية الصادرة حديثاً لعام 2026 “أوان الشد.. وصال الحبيبة للحبيب” للروائي المبدع محمد فايز حجازي، وهو المحفل الإبداعي الذي أتاح لي حضوراً حياً تفاعلت فيه الرؤى وتلاقحت القرائح، فكان هذا الحضور بمثابة اليقين المتجدد الذي زادني تمسكاً أصيلاً بالأدب الحديث وعمق مساراته، ورسخ إيماني بأن الرواية العربية المعاصرة لا تزال قادرة على قيادة الوعي وتفكيك تعقيدات الكينونة الإنسانية وصون الهوية والذاكرة وسط أعتى العواصف الوجودية. وقد ضمت الندوة نخبة من كبار النقاد والباحثين الذين قدموا مقاربات متباينة المناهج تتدفق وعياً وفلسفة حول هذا المنجز السردي الممتد، ففي مقاربة الوعي البصري للعمل، يغدو الغلاف أبعد من كونه مجرد إطار خارجي؛ إنه يمثل، حسب الرؤية النقدية والتحليل السيميائي الباهر للدكتورة سامية غشير من الجزائر، العتبة النصية الأولى والموجّه الإشاري الذي يختزل مرجعيات النص الفكرية ويسهم في إغراء المتلقي واستدراجه إلى مجاهيل الحكاية، حيث يتجسد الغلاف كلوحة معرفية تنفتح على خلفية توحي بورقة قديمة رثة الأطراف تحاكي رسائل العشاق العتيقة في العصرين الجاهلي والعباسي، لتعلن انحياز النص منذ بدئه لقيم الأصالة والنقاء، وتتشابك في هذا الفضاء علامات إشارية فككت الدكتورة سامية غشير رموزها؛ حيث ينهض الهرم برمزيتة الفرعونية الخالدة ليمثل ثبات الموطن، بينما ترتفع المئذنة لتربط النص بالبعد الحضاري والإسلامي، مانحةً إياه عمقاً تراثياً يعزز النقوش العتيقة على جسد التاريخ، وتتعدى الدلالات ذلك إلى تأويلات وجدانية رشيقة يبرز فيها الغزال كأيقونة ترمز للحبيبة في هيفها وجلالها، بينما يتوسط الواجهة مشهد لعاشقين واقفين في حالة تأمل وانبهار أمام الهرم العظيم، في إحالة بصرية تنضح بالاحتواء والصفاء، وتكتمل اللعبة التأويلية بكتابة اسم الروائي باللون الأصفر المزخرف فوق متن الهرم، ليتآزر مع العنوان الرئيس “أوان الشد” الذي جاء في بنية اسمية تمنحه القوة والرسوخ، محيلاً إلى علاقة تناصية وثيقة مع البيت التراثي للأخنس بن شهاب “هذا أوان الشد فاشتدي زيم”، ليمهد الغلاف لملحمة إنسانية واجتماعية تتنقل فيها الأحداث والرحلات بين حارة المحارقة وحي العباسية العريق وصولاً إلى شواطئ سيدي بشر بالإسكندرية لحماية الذاكرة من الطمس.
وفي هذا السياق السردي المتشابك، يشير الدكتور النميري في قراءته التحليلية المعمقة للمكان إلى أن الرواية تشكل تحولاً بنيوياً هاماً في كيفية توظيف الجغرافيا المحلية وتحويلها من مجرد خلفيات جامدة للأحداث إلى فضاءات وجودية ومسارح اختبار أخلاقي متكامل، حيث يرى أن التنقل البارع للكاتب بين حارة المحارقة، وقلعة الكبش، وحي السيدة زينب العريق، لا يستهدف تقديم توثيق مكاني فوتوغرافي، بل يهدف بالأساس إلى إبراز صراع الهوية وحمايتها؛ إذ يغدو التمسك بتفاصيل المكان وثقافته الشعبية المتجذرة في التاريخ خط الدفاع الأول وجزءاً أصيلاً من مقاومة التغييب والامتحاء في وجه قوى الظلام والمنظمات السرية التي تسعى لاحتكار المعرفة وإعادة تشكيل الماضي. ويتجلى النبض الخفي لهذا العمل الروائي منذ استهلاله بالإهداء المترع بالوفاء لروح الجد والأب، وهو الإهداء الخفي الذي يمتد ليصبح المتن الحقيقي والعمود الفقري للأحداث ومحركها الأساسي؛ فحين يركض مصطفى خلف نعش جده مستعجلاً الخطى منتحباً يحاول اللحاق بأبيه الذي حمل النعش في ثبات، لا يبدو أنه يودع جده الذي أحبه فقط، بل يودع زمنًا كاملًا من الطمأنينة، وهنا، وفقًا لما حللته وكتبته الناقدة فاتن صبحي، تبدأ اللحظة الكاشفة والتحول الوجودي الحقيقي داخل النص، حيث ينتقل الجد من حضور جسدي عابر إلى عهد رمزي ووصية تاريخية ينتقل أثرها البالغ إلى الأحياء، ليصبح السؤال المرير والمحوري الذي يطرحه العمل بأكمله حول كيفية بقاء الإنسان وفيًا لما يؤمن به عندما يصبح الوفاء عبئاً وخسارة مادية لا مكسباً، وتوضح الناقدة فاتن صبحي أن الكاتب لا يلجأ في طرح هذه الإشكالية الأخلاقية إلى الخطب المباشرة، بل ينسجها ببراعة من خلال تفاصيل الحياة اليومية وحوارات الطفولة البريئة وأسئلتها العميقة حول سبب اختلاف البشر في العبادة، وفي خضم هذا التيه، لا تأتي شخصية ماريا كقصة حب عابرة، بل تبرز باعتراض الناقدة فاتن صبحي كاقتحام معرفي واختبار حقيقي لقدرة الإنسان على تجاوز الأحكام المسبقة وجدران المجتمع وثقافات الخوف، فتكتسب علاقتهما معناه الوجودي من كونها انتصاراً للإنسان على الحواجز المصطنعة بفضل شغف معرفي خالص يجعلها شريكة حقيقية في رحلة البحث والتقصي حول الرمز المحوري المتمثل في مخطوط “الشيخ صفي الدين الدمشقي”، الذي يمثل وعاء لمعرفة متراكمة عبر الأجيال وبوابة إلى التاريخ الحي، وهدفاً رئيساً لقوى الظلام التي تدرك أن السيطرة على المعرفة واحتكار الذاكرة وتشويه الوعي هي الطريق الأقصر للسيطرة على البشر وتفتيت المجتمعات.
وينطلق الدكتور حسن في قراءته النقدية السيكولوجية من هذا البعد النفسي والوجداني والأخلاقي للأبطال، مؤكداً أن تلك اللحظة المفارقة المتمثلة في مشهد توديع الجد والركض الشجي خلف نعشه تضع البطل مصطفى مباشرة أمام محك العهد الحقيقي والوصية التاريخية الروحية؛ حيث يعيد النص من خلال هذا الموقف الصادم صياغة الدوافع الروحية للشخصية وتعميقها، جاعلاً منها المحرك الأساسي لمقاومة الانكسار الذاتي في مواجهة التحولات الاجتماعية العنيفة وعوادي الزمن المضطرب، ويقدم العمل تشريحاً دقيقاً لعدة مواقف إنسانية، لعل أبرزها تلك الفئة التي أثارت القلق الأخلاقي في السرد والمتمثلة في فئة الرماديين؛ فإذا كان الفاسدون يشعلون النار، فإن الرماديين يسمحون لها بالامتداد والنمو عبر الصمت والتردد والانسحاب من المسؤولية، وفي هذا الموقف الفلسفي الصارم، يُثني الدكتور حسن على التشريح الدقيق والدلالي الذي قدمته الرواية، معتبراً أن إدانة الكاتب البليغة لهذه الفئة الرمادية تعد صرخة أخلاقية بالغة الأهمية في المتن، تثبت أن التردد ليس حياداً، وأن الامتناع عن الاختيار والمواجهة في اللحظات التاريخية الحاسمة هو في حد ذاته اختيار وانحياز وتواطؤ ضمني مع الباطل، مما يخرج بالرواية تماماً من نمط الحكاية العاطفية المجردة إلى آفاق الالتزام الإنساني الشامل والمسؤولية الفردية تجاه قضايا المعرفة والأمة. وفي سياق متصل يتصل بمقومات هذا النضج الأدبي، تؤكد الأديبة والناقدة ناهدة محمد ذيب عمران في قراءتها للنص، أن هذا العمل الروائي يمثل تجربة ناضجة تمامًا تتجلى فيها ملامح مشروع الكاتب السردي والممتد، حيث نجح في رفع قيمة الحب من مستواه الفردي العاطفي الضيق إلى مستوى الرمز الإنساني الشامل، فالوصال عند ناهدة عمران ليس لقاء عاشقين بقدر ما هو وصال الإنسان بذاته وبقيمه واستعادة للمنعى المفقود في زحام الحياة المعاصرة، ممتدحة القدرة الفائقة للكاتب على توظيف التاريخ كعنصر حي يتداخل فيه النفسي بالجمعي دون تكلف، واللغة الأنيقة الرشيقة التي تحافظ على توازن دقيق بين الجزالة والشعرية، وتضيف ناهدة عمران ملحوظة نقدية هامة تفيد بأن بعض المقاطع كانت بحاجة إلى شيء من التكثيف والاختزال للحفاظ على سرعة التدفق السردي، إلا أنها تشدد على أن العمل يطرح أسئلة الهوية والانتماء بجرأة فنية تبتعد تمامًا عن المباشرة أو الوعظ، متخذة من الأماكن العتيقة خريطة وجودية كاملة وثلاثية اختبارية ممتدة بين ثبات الهرم، وفتنة العراق، وتاه التبعية في الفضاء، وهي المحطات التي يخرج منها البطل بوعي جديد يتجاوز حدود الواقعية المباشرة بفضل عناصر الروحانية والأحلام ومشهد الثلج الاستثنائي الساقط على القاهرة، لتتحرك الأحداث بإيقاع أقرب إلى استدعاء الذاكرة الفردية والجمعية.
إن الغوص في تفاصيل هذا المنجز الروائي الفذ وتأمل الأطروحات النقدية المتميزة التي تبارت في تشريحه يقودني في نهاية هذا المطاف الإبداعي إلى صياغة رأيي الشخصي التفصيلي والنقدي في العمل، إذ أرى في رواية “أوان الشد” نموذجاً باهراً وجديراً بالدراسة لما يمكن تسميته بـ “الهندسة اللغوية والبنائية الصارمة”، حيث يتجلى ذكاء الروائي محمد فايز حجازي في قدرته الفريدة على تصفية النص تماماً من الفضول اللفظي، ومحاربة الترهل النثري، واستخدام روابط وصياغات قوية تمنح الكلمة سرعة فائقة وسلاسة مطلقة في الانتقال بين الفضاءات الوجدانية والرمزية دون أي افتعال أو تزيّد نثري مخل. وتكمن القيمة الكبرى للعمل في تحويل الجغرافيا المحلية للمحروسة بأحيائها العتيقة إلى خريطة وجودية كاملة تضع البطل والمتلقي معاً أمام مرآة المسؤولية الأخلاقية، حيث يطرح الكاتب رؤية فلسفية شديدة الأهمية حول فئة الرماديين ليؤكد أن الصمت والتردد في لحظات التحول الكبرى ليس حياداً، بل هو اختيار وانحياز ضمني يسهم في تمرير الباطل وتشويه الوعي؛ وحتى القفزة السردية الأخيرة من زمن المعاناة إلى الاستقرار، تبرز كاختيار واعٍ يترك للمتلقي مساحة لملء الفراغات، فالرواية معنية بما تصنعه التجربة والامتحان في جوهر الإنسان، لينتهي النص إلى إجابة هادئة وعميقة تفيد بأن المطلوب ليس النجاة الفردية من العواصف، بل الحفاظ على جوهر الإنسانية والوعي والعهد أثناء العبور. إنها رواية لا تقدم حلولاً جاهزة، بل تبرهن على أن وصال الحبيبة ليس إلا الوجه الآخر لوصال الإنسان بجذوره وأرضه وتاريخه، وأن مقاومة الانكسار والتمسك بالعهد الأخلاقي هو الطوق الوحيد للنجاة والحفاظ على الكينونة الإنسانية وهي تعبر أعتى عواصف الشدة والامتحان، وهي الرؤى الفلسفية المعمقة التي جعلت من حضور هذه الندوة تجربة ملهمة زادتني تمسكاً بالأدب الحديث ويقيناً بقدرته الخالدة على العطاء وصياغة ملامح الوعي الإنساني.



