دين ومجتمع

التوبة فلاح للعبد في الدنيا والآخرة

بقلم / محمـــد الدكـــروري 

 

على المسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة بالتوبة الصادقة والعزم الأكيد على الرجوع إلى الله، ففي التوبة فلاح للعبد في الدنيا والآخرة، فيقول الله تعالى فى سورة النور “وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون” وكذلك نستقبل الأيام العشر من ذي الحجة بالعزم الجاد على اغتنام هذه الأيام، فينبغي على المسلم أن يحرص حرصا شديدا على عمارة هذه الأيام بالأعمال والأقوال الصالحة، وإن من مناسك الحج هو أن يذكر إسم الله تعالي في المسعى، فإذا دنا من الصفا يقول “إن الصفا والمروة من شعائر الله” أبدأ بما بدأ الله به، يقولها في الشوط الأول فقط، والظاهر أنه لا يكمل الآية، فالشاهد منها أولها وهو البداءة بما بدأ الله به، والله أعلم، فيرقى على الصفا، فيستقبل الكعبة، ويرفع يديه للدعاء، ويكبر ثلاثا، فعن جابر بن عبدالله “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا وقف على الصفا يكبر ثلاثا” وفي حديث جابر رضي الله عنه “حتى رأى البيت فإستقبل القبلة، فوحّد الله وكبره.

 

وقال “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده” ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات” رواه مسلم، فالتكبير والذكر ثلاثا والدعاء بين ذلك مرتين ولم يرد عنه صلى الله عليه وسلم دعاء خاص، فيدعو بما شاء من خيري الدنيا والآخر، ويصنع ذلك في أول كل شوط من السعي، فكل ما أتى على الصفا والمروة فعل ذلك، وليس بين الصفا والمروة ذكر منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم، إنما كان عبدالله بن مسعود رضي الله عنه إذا سعى في بطن الوادي، قال “رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم” فيذكر الله بما شاء بين الصفا والمروة، وإن قال بين العلمين الأخضرين “رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم” تأسيا بابن مسعود فهذا جائز، وإعلموا أن يوم عرفة من الأيام الفاضلة، فيتأكد فيه الدعاء والذكر، ومن ذلك قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

 

فقد جاء عن جمع من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير” وهو ثابت بمجموع طرقه، ويذكر الله في المزدلفة عند المشعر الحرام إن تيسر له، وإلا في مكان مبيته والمشعر الحرام جبل قزح، وعليه الآن مسجد مزدلفة، والسنة الوقوف بعد صلاة الصبح مستقبلا القبلة لذكر الله سبحانه ودعائه إلى قبل طلوع الشمس، ومن ذكر الله التلبية والتكبير والتهليل، وهذا موقف عظيم ومشهد كريم، وهو آكد مواطن الذكر والدعاء لأمر الله تعالى به، فهو المقصود الأعظم من الوقوف بمزدلفة، وبه يتم امتثال قوله تعالى “فاذكروا الله عند المشعر الحرام” ولفعله صلى الله عليه وسلم ففي حديث جابر رضي الله عنه “ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل القبلة، فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا” ويذكر الله حين رمي الجمار.

 

فيكبر مع كل حصاة، ويقف مستقبلا القبلة يدعو رافعا يديه بعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى في مكان لا يضايق المشاة، فعن سالم بن عبدالله أن عبدالله بن عمر رضى الله عنهما كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، ثم يكبر على إثر كل حصاة، ثم يتقدم يسهل، فيقوم مستقبل القبلة قياما طويلا، فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة الوسطى كذلك، فيأخذ ذات الشمال، فيسهل ويقوم مستقبل القبلة قياما طويلا، فيدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الجمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ويقول هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل” رواه البخاري، وعن عطاء قال “كان ابن عمر يقوم عند الجمرتين مقدار ما يقرأ الرجل سورة البقرة” ويذكر الله في أيام التشريق في مكانه الذي هو حال فيه، ومن الذكر التكبير، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يكبر في قبته بمنى، فيسمعه أهل المسجد، فيكبرون ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منى تكبيرا”

 

واعلموا يرحمكم الله إن توحيد العبادة والتحاكم إلى شريعة الله سبحانه وتعالي، هما عماد هذا الدين القويم، بهما يقوم، وعلى دعائمهما يستند، فكما أنه سبحانه وتعالى في السماء إله، يبسط الهيمنة الكاملة على جميع مخلوقاتها، ويدينون له بالطاعة المطلقة، والسيادة الكاملة، فلا يُرد أمره، ولا تنتقض تكاليفه، ولا يتطرق إلى أفهام عباده السماويين احتمالية أن يشاء الله أمرا ويشاؤون هم أمرا آخر، بل جميعهم طائعون وهم أذلة، يعلمون مكانهم، وقدر عزّة ربهم، ومدى استحقاقه لولائهم، وإستماتتهم وتسابقهم في الإصغاء والإرضاء والتزلف، فكما هو كذلك فإنه أيضا في الأرض إله، له من مقومات الألوهية ما يتنزه به عن كل نقص، وما يتصف به من جميع صفات الكمال والجمال والجلال، فهو في السماء إله وفي الأرض إله، فما باله يعصى في الأرض، ولا يعصى في السماء؟ ما باله يوحّد في السماء ولا تشوب توحيده فيها شائبة.

 

بينما يهتز توحيده في الأرض بفعل الشركيات، وتحاكم العباد إلى أنظمة وضعية لا ترقى لأن تشكل مجتمعة حكمة من حكم إحدى تشريعاته التي أخفاها على عباده أو أظهرها؟ فهي سلطة واحدة، سلطة الملك التي يصدر عنها التشريع في الدنيا، ويصدر عنها الجزاء في الآخرة، ولا يصلح أمر الناس إلا حين تتوحد سلطة التشريع وسلطة الجزاء في الدنيا والآخرة على السواء، ولكن أكثر النا

س لا يعلمون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock