
الرشوة والهدية في نظر الدين والمجتمع
كان سيدنا ابو هريرة امينا على طعام المسلمين من قبل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وذات يوم وجد لصا يسرق الطعام، فامسك به ؛ فشكا له الضيق والجوع وحاجة الأولاد ، فتركه رحمة به وبعياله، لكنه عاد في اليوم التالي للسرقة ، وتعذر بنفس الأعذار وتركه ، ثم عاد في اليوم الثالث وتركه ، وهكذا
إن رحمة المسؤول بالموظف السارق والمرتشي من اهم اسباب انتشار الفساد، لأن المسؤول ليس فقيها في الدين؛ ليعلم ان السرقة من اجل سد الجوع لا يعاقب عليها الإسلام ، لكن حين تتكرر فقد صارت جريمة، يعاقب عليها الدين و القانون ، وييتحق الصامت عقاب السارق؛ لأنه اعانه على ذلك ، إن لم يكن مشجعا له او مشاركا له مع مرور الوقت. إضافة إلى أنه موظف وله راتب ؛ فلا مبرر لفعله ، ولا للعفو عنه ، ولا يخفى علينا انه يسرق المال العام، ويرتشي ليضيع حقوقا من مستحقيها.
هذا الفقه في إدراك الحدود هو الذي دفع سليمان – عليه السلام – لرفض هدية بلقيس ملكة سبا، على الرغم ان تبادل الهدايا بين الملوك امر مشروع، لكنه ادرك انها رشوة وليست هدية ، لأنها تنتظر المقابل منها، فقالت :” وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون” كما يفعل الرائش بتقديم هدية للمسؤول او الموظف تحت اي مسمى، فهو ينتظر شراء ذمته و تسهيل حاجته الغير مشروعة ، وإلا لما قدم الهدية
ومن ثم رفضها سليمان – عليه السلام – بقوله : ” فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُون” ولاحظ الاستفهام الاستنكاري التوبيخي ، أي: أترشونني بهذا المال؟ اعلموا أنني لست بحاجة إلى مالكم وهديتكم ورشوتكم :” فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾: اعترف أمامهم بأن فضل الله عليه عظيم ، وكأنه يقول لهم: أنا لست ممن تقدم له الرشوة باسم الهدية؛ لأن الله أغناني عنها بما آتاني” .بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ” أنتم الذين تأخذون الرشاوى وما ليس لكم بحق وتفرحون بذلك.
إنه يرسم الصورة المثلى للحاكم والمسؤول الشريف ، الذي يتعالى على الدنايا والرشاوى، التي تتجمل بأسماء الهدايا لإقناع النفس بانها حلال، ومن طبائع الأمور ، وكل الناس تتعامل بها، وكل إنسان بيأكل ويمشي حاله، أو نعيش منين ؟ والأسعار نار ، والمرتب لا يكفي العيش الحاف! .
إن الآيات وضعت كل مسؤول وموظف امام ضميره ليحاسبه، فمن اخذ ما ليس له بسيف الحياء، فليتبوا مقعده من النار، ومن جمع مالا اكثر من ثمن الخدمة المقدمة فهو غاش، ومن استغل أمية الناس، وسلبهم اموالهم او منازلهم او حقوقهم فهو سارق ونصاب.
لذا نهيب بفخامة رئيس الجمهورية سن قانون يبيح للمواطنين التبليغ عن كل هؤلاء بادلة ، عبر التواصل الاجتماعي دون ادني مسؤولية على المبلغين، لأن من يسلك هذا المسلك له من يسانده بالصمت او السلطة او عدم محاسبته في موقعه عن مخ
الفاته



