
ليس كلُّ من تصدَّر الشاشات قائدًا، ولا كلُّ من ملأ المنصات منجزًا فثمة أناسٌ أتقنوا صناعة الصورة أكثر من صناعة الحقيقة، وشيَّدوا لأنفسهم من الكلمات قصورًا شاهقة، لكنها بلا أساس. يكتبون عن الإنجازات أكثر مما ينجزون، ويتحدثون عن النزاهة، بينما الفساد يتسلل من بين أصابعهم، ويُتقنون الوقوف أمام عدسات الكاميرات أكثر من الوقوف في صفوف خدمة الناس.
لقد صنعت الميديا لبعضهم هالةً أكبر من أحجامهم، حتى ظنَّ الناس أن الضجيج دليل القيمة، وأن كثرة الظهور برهان العطاء لكن الحقيقة لا تحتاج إلى كاميرا؛ فالسنابل الممتلئة تنحني، أما الفارغة فتُحدث جلبةً مع أول ريح.
وفي الجهة الأخرى يقف رجال ونساء لا يعرفهم إلا أصحاب الحاجات التي قضوها، ولا تتحدث عنهم المنصات إلا نادرًا؛ لأنهم مشغولون بصناعة الأثر لا بصناعة الصورة يزرعون الخير في صمت، ويتركون في كل مكان بصمةً لا تمحوها الأيام، ويؤمنون أن أعظم إعلانٍ للإنسان هو عمله، لا منشوره.
إن التاريخ لا يحفظ عدد المقابلات التلفزيونية، ولا يتذكر حجم المتابعين، بل يحفظ من خفف ألمًا، وأقام حقًا، وبنى إنسانًا، وخدم وطنًا بإخلاص أما الذين صنعوا لأنفسهم أساطير من الكلام، فسوف يذوب صخبهم مع أول امتحان للحقيقة؛ لأن الزمن لا يمنح الخلود إلا لأصحاب الأثر.
فالضجيج قد يسبق الخطى، لكنه لا يصل إلى القلوب أما العمل الصادق، وإن سار في صمت، فإنه يبلغ منازل الخلود؛ لأن الأثر الصادق هو اللغة الوحيدة التي لا تستطيع المبالغة أن تُقلدها، ولا الإعلام أن يصنعها من العدم.



