مقالات وآراء

ملتقى توازن الأول بالإسماعيلية.. وهج فكري لبناء الإنسان وصناعة الأمل

كتبت /منى منصور السيد

تتطلع المجتمعات الحية دوماً إلى منصات تجمع بين أصالة الفكر وتطبيقات الواقع، لتصنع للأجيال مسارات آمنة نحو المستقبل، وفي رحاب مكتبة مصر العامة بالإسماعيلية، وبقيادة واعية ونشيطة من الأستاذة أمل رجب، تجسدت هذه الرؤية في أبهى صورها مع انطلاق فعاليات “ملتقى توازن الأول للصحة النفسية وبناء الإنسان والتنمية المجتمعية”. وقد حظي هذا الحدث الاستثنائي برعاية كريمة من معالي وزير الشباب والرياضة الأستاذ جوهر نبيل، ومعالي اللواء أركان حرب نبيل حسب الله محافظ الإسماعيلية، وبمشاركة فاعلة ومؤثرة من معالي النائبة الدكتورة داليا سعد عضو مجلس الشيوخ المصري، ليكون بمثابة تظاهرة ثقافية وعلمية تسعى لصياغة وعي حقيقي متوازن يواكب تطلعات الدولة المصرية نحو غد أفضل وأكثر إشراقاً.

وقد شهد المنبر انطلاق منصة حوارية مائزة تولى رئاستها وإدارتها باقتدار الأستاذ الدكتور حسن يوسف، الذي قاد الجلسات العلمية بأسلوب أدبي رفيع ولغة بليغة جمعت بين دقة الطرح وبساطة المضمون لتصل المعرفة بسلاسة إلى عقول الشباب الحاضرين. وافتتح الدكتور حسن يوسف هذه المنصة مستهلاً ببسم الله الرحمن الرحيم ومرحباً بالجمع الكريم في هذا المحفل العلمي، مؤكداً في كلمته التأسيسية أن بناء الإنسان وتوازنه النفسي والفكري ليس ترفاً علمياً بل هو ركيزة الأمن المجتمعي وقاطرة التنمية المستدامة التي تنطلق بها الدولة المصرية، معرباً عن بالغ سعادته وفخره بإدارة هذه المنصة الحافلة بالعقول المستنيرة والقامات العلمية الواعدة لنحت مسارات ملموسة لوعي أكثر اتزاناً وعطاءً.

ثم جرت عجلات الحوار في الجلسة الأولى التي خصصت لمناقشة المرتكزات التأسيسية لبناء الإنسان من خلال التنشئة والأسرة وجودة الحياة الشاملة، حيث مهد لها رئيس المنصة بالإشارة إلى الطفولة والأسرة كجذر أساسي لبناء الشخصية والريادة المجتمعية، ووجّه سؤاله الأول للدكتورة يمنى عمر حول دور الصحة النفسية في إعادة صياغة المفهوم الحقيقي لجودة الحياة بما يتجاوز الأبعاد المادية والخدمية التقليدية، ثم انتقل للدكتورة نهال القناوي مستوضحاً الفجوات الفلسفية والتربوية في تنشئة طفل اليوم وتأثيرها على مستقبله، تلاها طرح حواري مع الدكتورة ندى عباس حول الشروط الذهبية لتحقيق التوافق النفسي للشباب والانسجام مع العصر المتسارع دون سقوط في فخ الاغتراب، ليختتم الجلسة مع الدكتورة شيماء صبحي مبرزاً دور الأسرة المصرية كخط دفاع أول وحاضنة آمنة ومصدر للدعم النفسي لأبنائها في ظل الضغوط والمشتتات المعاصرة.

ولم ينفصل هذا التأصيل عن الرؤية الاستراتيجية الشاملة، إذ قاد الدكتور حسن يوسف الجلسة الثانية نحو صياغة الاستراتيجية الوطنية للأمن النفسي ومواجهة التحديات الرقمية، مؤكداً في مقدمتها أن الأمن النفسي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي بمفهومه الشامل في عصر تلاشت فيه الحدود الجغرافية خلف الشاشات الرقمية. وناقش في هذا الصدد الأستاذ الدكتور محمد غنيم حول سبل بناء ثقافة مجتمعية واعية وصديقة تدعم الصحة النفسية وتلفظ الوصمة الاجتماعية والصور النمطية، ثم وجّه سؤاله للأستاذ الدكتور سمير غنيم حول can المعادلة العملية لإدارة الضغوط المتزايدة والاحتراق النفسي في بيئات العمل والتعليم لتحقيق التوازن المنشود بين التميز الإنتاجي والسلامة النفسية، وبحث مع الأستاذ الدكتور محمد الظواهري سبل حماية عقول الشباب من الآثار الجانبية للعالم الافتراضي وتوظيف تقنيات العصر والذكاء الاصطناعي لدعم التوازن بدلاً من استنزافه.

وفي الجلسة الثالثة والأخيرة، انتقل رئيس المنصة بالحضور إلى فضاء التكامل المؤسسي والتمكين الفكري لترجمة الوعي والنظريات إلى واقع عملي مستدام على الأرض، حيث استهل النقاش مع الدكتورة منى سامي حول إسهام الوعي الثقافي والمنتج الأدبي والفني الراقي في الارتقاء بالصحة النفسية وتشكيل الوجدان الإنساني، واستعرض مع الدكتورة أمل رجب أبرز البرامج والاستراتيجيات الفاعلة التي تقدمها الدولة المصرية ومؤسساتها الحكومية لدعم الاستقرار النفسي لمختلف الشرائح، بينما ركز مع الأستاذة إيناس الجندي على دور العمل الأهلي ومؤسسات المجتمع المدني كشريك أساسي وذراع تنفيذي يمد جسور الرعاية والدعم للفئات الأكثر احتياجاً، ليختتم المنصة الحوارية بسؤال للدكتورة نشوى جاد حول “مبادرة علاقات الظل” كنموذج ناجح للمبادرات الميدانية الملامسة لقضايا الشارع، مستوضحاً رسالتها في تحقيق التوازن والوقاية الفكرية.

وقد تلاقت هذه الأطروحات العلمية الدسمة مع جهود تنموية ومجتمعية ملموسة، حيث تميز الملتقى بتقديم منح مجانية من إحدى المؤسسات لدراسة اللغتين الإنجليزية والفرنسية لأولادنا الطلاب من خريجي الجامعات لدعم تمكينهم وتأهيلهم لسوق العمل، كما تخلل الملتقى فقرات فنية راقية وعروضاً هادفة قدمتها فرقة مسرح المكتبة، جسدت ببراعة المضمون السامي للتوازن النفسي والفكري الذي يعد ركيزة الأمن المجتمعي. وفي ختام هذه التظاهرة الناجحة، جاء تكريم الأستاذ الدكتور حسن يوسف بمثابة وسام اعتزاز وتقدير غالٍ يستقر على صدور المخلصين ليظل شاهداً على ريادته وإدارته الواعية، وينتهي المشهد بفيض من الإعزاز والشكر لفريق العمل التنظيمي المخلص بقيادة المنسق العام الأستاذ أمير الورواري، والدكتورة ندى عباس منسق إقليم القناة، وكافة المخلصين داخل مكتبة مصر العامة بالإسماعيلية الذين نسجوا بتضافر جهودهم قصة نجاح ملهمة تليق بمصر ومستقبلها المشرق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock