صحف وتقارير

عقيدة الوفاء وسر البقاء.. نسيج مصري ضارب في عمق الأرض باقٍ ليوم الدين

كتبت /منى منصور السيد

مصر ليست مجرد بقعة جغرافية على خارطة العالم، بل هي فكرة خالدة وحالة إنسانية فريدة تتجلى في تفاصيل الحياة اليومية لأبنائها، وتظهر أصالتها في تلك المواقف العفوية التي تختزل قروناً من التعايش والمحبة. ولعل تلك اللقطة الإنسانية التي طالعتنا بها صفحة الأخ كيرلس مجدي، تختزل في جوهرها هذا المعنى الحقيقي لأرض الكنانة؛ مشهد يجمع بين رموز وقامات دينية متصالحة مع التاريخ، حيث يسند الآباء الرهبان بإجلال ومحبة فضيلة الشيخ محمد الطيب، شقيق الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، وذلك عقب زيارة الشيخ محمد الأخوية للاطمئنان على صحة نيافة الأنبا بيمن مطران نقادة وقوص. يحمل هذا المشهد في طياته دلالات عميقة، فبالرغم من ثقل السنين وعناء المرض الذي يلم بالشيخ الجليل، إلا أن نداء الواجب وأصالة الأخلاق المصرية دفعته ليتحامل على جسده الواهن ويسعى بنفسه ليقف بجوار شقيق الوطن، يسانده في محنته الصحية، تزامناً مع اتصال هاتفي من فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب للاطمئنان على المطران المحبوب، ليعيد الكبار صياغة مفهوم الوفاء والأصول التي علمونا إياها في كل دين.

إن هذا التلاحم الذي وثقته تلك الصورة ليس وليد لحظة عابرة أو مجاملة بروتوكولية، بل هو نتاج عبقرية تاريخية ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، حيث صهرت هذه الأرض في بوتقتها فصيلي الأمة منذ فجر الضمير الإنساني، لتصنع نسيجاً واحداً عصياً على التمزق. فمنذ دخول المسيحية والإسلام إلى مصر، لم يكن اللقاء بينهما صراعاً, بل كان حواراً دائم التجدد وعطاءً متبادلاً في الفكر والثقافة والمعمار، وتجسد هذا التلاحم بأبهى صوره في العصر الحديث خلال ثورة 1919، حين تلاحم الهلال مع الصليب في ملحمة وطنية شهدت عليها منابر الأزهر الشريف وكنائس مصر، ليعلن الشعب للعالم أجمع أن الدفاع عن الوطن والكرامة هو العقيدة المشتركة لجميع أبنائه، وأن الدم المصري لا يعرف لوناً سوى لون الأرض التي يرويها، لتغدو الروح المتأصلة اليوم امتداداً طبيعياً لإرث الأجداد الذين عاشوا على ضفاف نيل واحد، يتقاسمون الخبز والملح والآمال.

وتتجلى عظمة هذا البنيان للوحدة الوطنية في ذلك التبادل العفوي للمواقف؛ فحين ألمّ التعب بالأنبا بيمن، سارع الشيخ محمد الطيب ليكون أول السائلين والمطمئنين، وحين خانت القوة الجسدية الشيخ الجليل أثناء الزيارة، كانت سواعد الرهبان الأجلاء هي السند والملجأ. إنها دائرة مغلقة من الوفاء والمحبة لا تنقطع، تؤكد أن المصريين لا يجمعهم مجرد جوار مكاني، بل تجمعهم وحدة وجدانية تذوب فيها الفوارق لتبرز أخلاق الأنبياء وسماحة الأديان. هذا النسيج الوجداني ليس مجرد شعار سياسي، بل هو حقيقة تاريخية متجذرة في وجدان الإنسان المصري، تجعل من المحبة والمساندة المتبادلة فرضاً وطنياً وإنسانياً يتوارثه الأحفاد عن الأجداد، لتبقى مصر دائماً نموذجاً حياً للمحبة والوئام، وواحة للأمن والسلام والوحدة الباقية بقاء الزمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock