
بعد سنوات من التباعد والخلافات السياسية، دخلت العلاقات المصرية التركية مرحلة جديدة تتسم بالبراغماتية وتغليب المصالح المشتركة، لتتحول من سياسة إدارة الخلاف إلى بناء شراكة متنامية تشمل الاقتصاد والاستثمار والطاقة، وصولًا إلى التعاون العسكري والأمني، في خطوة تعكس إدراك القاهرة وأنقرة لحجم التحديات الإقليمية التي تواجه المنطقة.
وشهدت العلاقات بين البلدين خلال الفترة الأخيرة زخماً غير مسبوق، تُرجم عبر تبادل الزيارات رفيعة المستوى، وارتفاع حجم التبادل التجاري، وتوقيع اتفاقيات تعاون في قطاعات الصناعة والطاقة والنقل، إلى جانب تنسيق أكبر بشأن عدد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها الأوضاع في غزة، وليبيا، وسوريا، وأمن البحر المتوسط.
ويبرز التعاون العسكري كأحد أهم مظاهر التقارب الجديد، حيث بدأت القاهرة وأنقرة فتح قنوات اتصال بين المؤسستين العسكريتين، مع مشاركة القوات المسلحة في تدريبات وأنشطة عسكرية متعددة الأطراف، وتبادل الوفود العسكرية والخبرات الفنية، بما يعزز بناء الثقة بين البلدين بعد سنوات من الجمود.
كما تتزايد التقديرات بشأن إمكانية توسيع التعاون في مجال الصناعات الدفاعية، في ظل امتلاك تركيا قاعدة صناعية عسكرية متطورة تشمل الطائرات المسيرة والمدرعات والأنظمة الإلكترونية، بينما تمتلك مصر سوقًا دفاعية كبيرة وخبرة متراكمة في التصنيع العسكري.
وفي هذا الإطار، تتردد تقارير عن بحث فرص لعقد صفقات تسليح أو شراكات إنتاج مشترك، إلا أن الجانبين لم يعلنا رسميًا عن تفاصيل أي اتفاقات نهائية حتى الآن، ما يجعل هذه الملفات في إطار المناقشات أو المفاوضات المحتملة.
ويرى مراقبون أن التقارب المصري التركي لا يستهدف تشكيل محاور جديدة، وإنما يعكس اتجاهاً نحو تعزيز الاستقرار الإقليمي، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة، وهو ما يفتح الباب أمام تنسيق أكبر في مكافحة الإرهاب، وتأمين خطوط الملاحة الدولية، وحماية أمن الطاقة في شرق المتوسط.
وعلى الصعيد الاقتصادي، يواصل حجم التجارة بين البلدين تحقيق معدلات نمو ملحوظة، مع زيادة الاستثمارات التركية في السوق المصرية، واهتمام متبادل بتعزيز التعاون في مجالات المناطق الصناعية، والطاقة المتجددة، والربط اللوجستي، بما يدعم أهداف التنمية لدى الجانبين.
الخلاصة : يؤكد مسار العلاقات الحالي أن القاهرة وأنقرة انتقلتا من مرحلة استعادة العلاقات الدبلوماسية إلى مرحلة بناء شراكة استراتيجية تدريجية، تقوم على المصالح المتبادلة واحترام سيادة الدول، مع توقعات بأن تشهد الفترة المقبلة مزيداً من التعاون في الملفات السياسية والاقتصادية والدفاعية، بما يعزز أمن واستقرار منطقة شرق المتوسط والشرق الأوسط.



