
في هذا اليوم المبارك الذي تشرق فيه الأنوار وتتصالح فيه النفوس، نفتح معاً باباً من أهم أبواب السلم النفسي والمجتمعي، وهو “صلة الرحم”. لكننا لن نتناول هذا المفهوم من الزاوية التقليدية المكررة التي تكتفي بسرد المأثورات، بل سنغوص في العمق الإنساني والواقعي لنناقش تلك الجدلية المعقدة التي تؤرق الكثير من القلوب العفيفة: هل يجوز الابتعاد والقطيعة لدفع الأذى؟ وهل يُعد التراجع خطوة لحماية الذات قطعاً للرحم وإثماً يستوجب العقوبة؟
الأصل في الشرائع السماوية والقيم الإنسانية هو الوصل وبناء الجسور، وقد منح الله عز وجل الرحم منزلة رفيعة واشتق اسمها من اسمه “الرحمن”، وجعل واصلها موصولاً بفيض كرمه، وقاطعها مقطوعاً من توفيقه. بيد أن الواصل الحقيقي في ميزان الأخلاق ليس ذلك الذي يرد الزيارة بمثلها والمكافأة بمشابهتها، بل هو من إذا قُطعت رحمه بادر بالوصل، تعظيماً للمبدأ وترفعاً عن الخصام.
غير أن الواقع المعيش يضعنا أحياناً أمام معادلات شديدة القسوة، حينما تتحول صلة الرحم إلى مصدر دائم للأذى النفسي الشديد، أو التدمير المعنوي، أو التهديد المستمر لاستقرار البيوت والأنفس. وهنا تتجلى حكمة التشريع ومرونة الأحكام، فالأصل الأصيل يقوم على القاعدة الذهبية “لا ضرر ولا ضرار”، والدين لم يأتِ ليكون سيفاً مسلطاً على رقاب الأنفس المعذبة، ولا يطلب من الإنسان أن يقدم سلامته النفسية وعقله ضحية على مذبح التواصل الاجتماعي قسراً.
من هنا، يصبح من الضروري بمكان أن نميز بوعي دقيق بين مفهومين يخلط بينهما الكثيرون؛ المفهوم الأول هو “القطيعة الجافة” وهي الخصام المليء بالغل والتحريض وتمني زوال النعم، وهي المقاطعة التي تخلو من السلام وتشهد السعي بالأذى والشماتة في الملمات، وتلك هي القطيعة المحرمة التي جاء الوعيد في حقها. أما المفهوم الثاني فهو “الاعتزال الآمن” أو ما يمكن أن نسميه “الهجر الجميل”، وهو إعادة رسم مسارات العلاقة وتوسيع المسافات المكانية والاجتماعية لحماية النفس، مع الإبقاء على نية السلام ومشاعر التمني بالخير دون خوض في التفاصيل السامة.
إن هذا الاعتزال لا يعني أبداً إسقاط الواجب، بل يعني إدارته بذكاء يتناسب مع حجم الضرر، حيث تتحول الصلة في هذه الحالة إلى مراتب ودرجات مرنة تتقي الشر وتكسب الأجر. أولى هذه المراتب هي “الصلة الرقمية أو المقتضبة”، بأن يكتفي المرء برسالة نصية في الأعياد والمناسبات الكبرى، أو اتصال هاتفي سريع لا يتجاوز الاطمئنان العابر على الصحة، دون السماح للطرف الآخر بالولوج إلى تفاصيل الحياة الخاصة التي قد تُستغل للإيذاء. وثاني هذه المراتب هو “الدعاء بظهر الغيب”، وهو صلة خفية ونبيلة لا يملك بشر مصادرتها أو إفسادها، وتعد من أعلى منازل السلام الداخلي، حيث يدعو المرء لأرحامه بالهداية والصلاح ويكفي نفسه في الوقت ذاته شرورهم. وثالثها هو “الوصل عند الملمات الإنسانية الكبرى”، مثل شهود الجنائز أو عيادة المريض بصفة رسمية تسقط الواجب وتظهر المعدن الأصيل، ثم الانسحاب الهادئ فور انتهاء الموقف.
إن إبقاء “شعرة معاوية” في العلاقات الإنسانية المتوترة هو قمة الحكمة والأدب الإنساني؛ فالحياة لا تدار بمنطق القوة الجافة أو العناد المطلق، بل بالمرونة التي تجعل المرء يرخي الحبل إذا شده الآخرون لكي لا ينقطع، ويشده برفق إذا أرخوه لكي تستقيم الأمور. ومن ثم، فإن الابتعاد الذي يحفظ على الإنسان دينه وعقله وصحته النفسية من التآكل، مع طهارة قلبه من الحقد، هو صيانة للذات وليس عقوقاً ولا قطيعة مأثومة. صِلوا أرحامكم بالقدر الذي لا يكسر نفوسكم، واجعلوا من مسافاتكم الآمنة حصناً لقلوبكم ونقاءً لضمائركم.
جمعة مباركة، مليئة بالسلام النفسي والقلوب السليمة.
حديث الجمعة
صلةُ الرحمِ والاعتزالُ الآمنُ




