دين ومجتمع

حرص الإنسان على الحياة الدنيا

بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

لنعلم جميعا بأن الإنسان حريص على الحياة الدنيا، وحريص أن يطول عمره، ولو استطاع أن يخلد في الدنيا لفعل ولكن الله سبحانه وتعالى قهر العباد بالموت والفناء، فحرص الإنسان على طول حياته في هذه الحياة الدنيا بدون أن يتنبه إلى ما يكتسبه في هذه الحياة، قد يكون عليه طامة كبرى، لأن الإنسان إذا طال عمره وساء عمله، فإن طول العمر بالنسبة لهذا الإنسان نقمة وليس بنعمة، فعمرك إنما هو وعاء لأعمالك فلا تكن حريصا على الوعاء، بدون حرص على ما يحتويه هذا الوعاء، لأن قيمة الوعاء بما يحتويه، وقيمة عمرك بما تجنيه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، ودعاء المؤمن بطول العمر في الدنيا، ليس المقصود منه طول المكث فيها فقط، فقد يكون وقتك وعمرك قصيرا، ولكن الخير فيه كثير وكثير جدا، فهذا هو الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، في فترة وجيزة من عمره لا تتجاوز السنتين ونصف وهي فترة ولايته وخلافتة، ملأ فيها الأرض عدلا بعدما ملئت جورا وظلما.

 

والمسلم يعلم أنه لن يدرك الجنة إلا بحسن إستثمار فرص العمر بكل أوقاته وأحواله فيما يرضي ربه، لأنه عن كل ذلك سوف يسأل، كذلك يخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم” لن تزول قدم عبد يوم القيامة حتي يسأل عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه فيم فعل؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟” رواه الترمذي، وإنه من السفه والغفلة هو إتلاف الوقت وتبديده، فذلك أشد وأوخم من إتلاف المال وتبذيره، فكل وقت ضائع هو خسارة لجانب من مطالب الدين والدنيا والآخرة، ومن المؤسف المؤلم أن تجد المسلم اليوم أكثر إهمالا وتبذيرا وتبديدا لأوقات عمره الثمينة، وهو على علم ويقين بما ينتظره ليوم القيامة، تلك حال كثير من المسلمين الذين يبيدون الساعات الطوال في المقاهي والملاهي، وألوان الفرجة في الأفلام والمباريات والسهرات، وحول موائد اللعب والقمار وغيرها، لاهين عن ذكر الله وعن الصلاة.

 

متقاعسين عن صالح الأعمال للدنيا والآخرة، وإذا كان لا مانع من قسط الترفيه والترويح بالضرورة فهو في غير إفراط ولا تفريط، وإعلموا أن السيرة النبوية مليئة بالكثير من الأمثلة في إخباره ونبؤته صلى الله عليه وسلم عن أمر غيبي مستقبلي وقع كما أخبر به، وهذه المغيبات التي أخبر بها صحابته الكرام نُقلت إلينا بأسانيد صحيحة ثابتة لا يرقى إليها أي شك أو شبهة، وفي ذلك دلالة واضحة وضوح الشمس على نبوته صلوات الله وسلامه عليه، وعلو قدره ومنزلته، و أنه رسول من عند الله لا ينطق عن الهوى وكما جاءت الأدلة والآيات القرآنية تدل على أن الله تعالى اختص بعلم الغيب، وأنه استأثر به دون خلقه، جاءت آيات أخرى تفيد أنه سبحانه استثنى من خلقه من إرتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم، وإن من دلائل نبوة نبينا وحبيبنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم هو ما جاء من إخباره عن أحداث وأمور غيبية ستقع في المستقبل، سواء في حياته أو بعد مماته.

 

ووقعت كما أخبر صلى الله عليه وسلم بها والقرآن الكريم والسيرة النبوية فيهما الكثير من هذه الدلائل والنبؤات، وهذا دليل على أن الله عز وجل قد أطلع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم على أمور من علم الغيب، الذي لا يمكن الوصول إليها إلا بوحي من الله سبحانه، ومن الدلائل النبوية من القرآن الكريم هو إخبار القرآن الكريم عن غلبة الروم للفرس خلال بضع سنين كما جاء في سورة الروم، وكان ذلك في أول مبعثه صلى الله عليه وسلم حين كان في مكة، فكان هذا الإخبار من الآيات والدلائل على صدقه ونبوته، وأنه رسول الله صلي الله عليه وسلم حقا لوقوع الأمر، كما أخبر الله تعالى به رسوله في كتابه العظيم، وقد فرح المسلمون بذلك، لأن الروم وهم نصارى أهل كتاب وهو الإنجيل أقرب إلى المسلمين من الفرس عباد الأوثان، وكلمة بضع في اللغة تدل على ما بين ثلاث وتسع، وقد جاء انتصار الروم على الفرس بعد سبع سنين من نزول الآيات الكريمه علي المصطفي صلى الله عليه وسلم.

 

وعن نيار بن مكرم الأسلمي رضي الله عنه قال لما نزلت” ألم، غلبت الروم في أدني الأرض وهم من بعد غليهم سيغلبون في بضع سنين” وكانت فارس يوم نزلت الآية الكريمة قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب، وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله الآية خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة، قائلا ” ألم، غلبت الروم في أدني الأرض وهم من بعد غليهم سيغلبون في بضع سنين” فقال ناس من قريش لأبي بكر فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهنك على ذلك؟ قال بلى وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان وقالوا لأبي بكر كم تجعل البضع، ثلاث سنين إلى تسع سنين؟ فسمّ بيننا وبينك وسطا تنتهي إليه، قال فسموا بينهم ست سنين، قال فمضت الست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر.

 

فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين، قال لأن الله تعالى قال في بضع سنين، قال وأسلم عند ذلك ناس كثير” رواه الترمذي، وفي رواية أخرى قيل ” فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال ألا جعلته إلى دون قال أراه العشر قال أبو سعيد والبضع ما دون العشر، قال ثم ظهرت الروم بعد، قال فذلك قوله تعالى” ألم، غلبت الروم في أدني الأرض وهم من بعد غليهم سيغلبون في بضع سنين” وقال سفيان الثوري سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر، قال ابن كثير “هذا الذي أخبرناك به يا محمد من أنا سننصر الروم على فارس وعد من الله حق، وخبر صدق لا يخلف، ولا بد من كونه ووقوعه” وقال الإمام السعدي “وهذا من الأمور الغيبية التي أخبر بها الله قبل وقوعها ووجدت في زمان من أخبرهم الله بها من المسلمي

ن والمشركين”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock