صحف وتقارير

حين تُبدِّل الكيانات السياسية أوراقها… فالسياسة لا تعرف الوفاء للعجز

بقلم أشرف ماهر ضلع 

 

ليست السياسة سجلًا للعواطف، ولا ميدانًا للمجاملات، وإنما هي فن تحقيق الأهداف وصناعة النتائج. فالكيانات السياسية التي تسعى إلى البقاء والتأثير لا تقيس رجالها بما قدموه من وعود، بل بما حققوه من إنجازات على أرض الواقع. ومن هنا، فإن استبدال بعض الوجوه بأخرى ليس خيانة للأشخاص، وإنما وفاء للمشروع الذي وُجد الكيان من أجله.

لقد أثبت التاريخ السياسي أن الأحزاب والحركات التي ظلت أسيرة لمن أخفقوا في تحقيق أهدافها، دفعت ثمنًا باهظًا من رصيدها الشعبي، بينما نجحت الكيانات التي امتلكت شجاعة المراجعة، وأحسنت قراءة الواقع، وأعادت ترتيب صفوفها وفق معيار الكفاءة لا القرابة، والإنجاز لا الضجيج.

ويقول السياسي البريطاني ونستون تشرشل: “السياسة هي القدرة على التنبؤ بما سيحدث غدًا، ثم تفسير سبب عدم حدوثه.” وهي عبارة تؤكد أن السياسة ليست جمودًا على الأشخاص، بل مرونة في مراجعة الأدوات والوسائل لتحقيق الغايات.

كما قال أوتو فون بسمارك: “السياسة هي فن الممكن.” وفن الممكن لا يترك مصير الكيان رهينة لمن أثبت الواقع محدودية أثره، وإنما يبحث دائمًا عن العناصر الأقدر على تحويل الإمكان إلى إنجاز.

أما المفكر نيكولو مكيافيلي، فقد أشار إلى أن بقاء الدولة مرهون بحسن اختيار الرجال، وأن الحاكم أو القيادة تُعرف بقدرتها على تمييز الأكفاء من غيرهم، لأن الرجال هم أدوات النجاح أو أسباب الإخفاق.

إن الكيان السياسي الذي يعيد تقييم كوادره بعد كل استحقاق، ويستبدل من لم يحقق المأمول بمن يملك القدرة على الإنجاز، إنما يمارس أبسط قواعد الإدارة السياسية الرشيدة. فالولاء الحقيقي لا يكون للأشخاص، وإنما للفكرة، وللمشروع، وللجمهور الذي ينتظر نتائج ملموسة لا خطابات رنانة.

وفي السياسة، لا تُمنح الفرص إلى ما لا نهاية، لأن الزمن الانتخابي لا ينتظر، والشارع لا يحاسب النوايا، بل يحاسب الأثر. ومن لم يترك أثرًا في الميدان، فمن الطبيعي أن يفسح الطريق لمن يستطيع أن يصنع الفارق.

وهكذا تبقى قاعدة السياسة الخالدة: الكيانات الناجحة تُبدِّل أدواتها إذا تعطلت، لكنها لا تُبدِّل أهدافها؛ لأن بقاء المشروع أهم من بقاء الأشخاص، ولأن الإنجاز هو اللغة الوحيدة التي يفهمها التاريخ والجماهير.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock