صحف وتقارير

أروقة القانون… وحياة الناس  قبل أن تسألني… أنا المتهم

بقلم: حسين عبيد صحفي

 

في قاعة المحكمة، حيث يعلو الصمت قبل أن تنطق الكلمات، ويجلس القضاة على منصتهم كأنهم ميزان العدالة الأخير، كنت أقف أنا في قفص الاتهام.

أمامى وجوه كثيرة… زوجتي، أمي، وأناس لا أعرف إن كانوا شهودًا أم مجرد عابرين في قصة انتهت قبل أن تكتمل.

وفي المقدمة، كان يقف صديقي مرتديًا الرداء الأسود، كأنه بين صفوف الدفاع والقدر في آن واحد.

تبدأ الجلسة، وتُستمع أقوال الشهود، وكل كلمة كانت تقترب بي أكثر من لحظة الحسم.

ثم رفع القاضي رأسه، وأشار إلى لحظة استجوابي…

لكن قبل أن أنطق، تقدم ذو الرداء الأسود وقال بصوت هادئ:

“هذا هو المتهم، ولا يجوز استجوابه وفقًا لنص المادة 274 من قانون الإجراءات الجنائية.”

ساد الصمت القاعة…

وفي لحظة واحدة، هدأ كل شيء بداخلي.

فهدأ روعي…

ولم أعد أعرف: هل أنجوت من الاستجواب… أم بدأت الحكاية من جديد؟

لم تكن المحكمة مجرد جدران عالية أو منصة يجلس عليها القضاة، بل كانت مرآة أخرى لحياةٍ كاملة تتقاطع فيها الحقيقة مع الظن، واليقين مع الشك.

كل نظرة كانت تحمل سؤالًا غير منطوق، وكل صمت كان أثقل من أي شهادة قيلت في الجلسة.

زوجتي كانت تجلس هناك، لا أعرف إن كانت تبحث عن الحقيقة أم عن نهاية مختلفة لما بدأ بيننا يومًا كحلم بسيط.

وأمي… كانت تنظر إليّ بعين لا تفهم لماذا وصلت الأمور إلى هذا المكان.

أما أنا، فلم أكن أدري: هل أنا متهم أمام القانون فقط… أم متهم أمام حياتي كلها؟

كل ما تعلمته في لحظة الوقوف داخل القفص أن الكلمات هناك لا تُقال بسهولة، وأن الصمت قد يكون أحيانًا أكثر أمانًا من أي إجابة.

لكن السؤال الذي ظلّ يلاحقني بصوت لا يسمعه أحد:

هل العدالة دائمًا تحتاج إلى من يتكلم… أم أن هناك لحظات يكون فيها الصمت هو الحقيقة ذاتها؟

وهل ما يجري داخل القاعة هو نهاية القصة… أم مجرد فصل من فصولها الطويلة؟

في النهاية، لا تبقى المحاكم مجرد ساحات للفصل في النزاع، بل تتحول أحيانًا إلى مسار آخر لفهم الإنسان، حين يُجبر على مواجهة نفسه قبل أن يواجه الحكم.

وخرجت من القاعة وأنا لا أحمل إجابة…

بل سؤالًا أكبر من كل ما سبق:

هل كنت متهمًا أمام القانون… أم أمام نفسي؟

#أروقة_القانون_وحياة_الناس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock