
في حياة الإنسان لحظات فاصلة لا يفصل بينه وبين القرار الصحيح سوى خطوة واحدة. لكن كثيرين يؤجلون تلك الخطوة ظنًا أن الفرصة ستبقى وأن الغد مضمون فيقعون أسرى للتسويف والإغراءات التي قد تغيّر مسار حياتهم.
ولا يدرك الإنسان أن بعض القرارات لا تحتمل التأجيل لأن أثرها قد يمتد من الدنيا إلى الآخرة. فكم من خير ضاع بسبب كلمة “غدًا” وكم من فرصة لم تتكرر لأن صاحبها ظن أن أمامه متسعًا من الوقت.
وهذا ما تجسده قصة الشاعر الجاهلي الأعشى.
كان على بُعد خطوات من أعظم تحول في حياته وكانت بين يديه فرصة ربما لم تتكرر لأحد من شعراء العرب، فرصة كان من الممكن أن تغيّر مصيره إلى الأبد.
كان الأعشى واسمه ميمون بن قيس، من أشهر شعراء العرب في الجاهلية وأكثرهم تأثيرًا بين قومه. وحين سمع بدعوة النبي محمد ﷺ وما جاء به من هداية تأثر بما بلغه عنه حتى نظم قصيدة في مدحه وعزم على السفر إليه ليعلن إسلامه.
وفي طريقه إلى النبي ﷺ علمت قريش بخبره، فأدركت أن إسلام شاعر بمكانة الأعشى سيكون له أثر كبير بين العرب فسعت إلى صرفه عن عزمه. ولما رأت إصراره على المضي في طريقه عرضت عليه مائة بعير مقابل أن يؤجل إسلامه عامًا واحدًا على أن يعود بعد ذلك إلى النبي ﷺ ويعلن إسلامه كما يشاء.
فقبل الأعشى العرض وظن أن أمامه متسعًا من الوقت وأن عامًا لن يغيّر شيئًا. لكنه لم يكن يعلم أن بعض الفرص لا تنتظر وأن الأجل قد يكون أقرب إلى الإنسان من أحلامه وخططه.
عاد الأعشى إلى قومه حاملًا الإبل، لكن الأقدار كانت تسبق خطاه. فما إن اقترب من دياره حتى سقط عن ناقته فمات قبل أن يعود إلى النبي ﷺ أو يحقق ما كان ينويه.
لقد كان الأعشى ينتظر غدًا لم يأتِ ويؤجل قرارًا ظن أن الزمن سيمنحه فرصة أخرى لاتخاذه. لكنه رحل قبل أن يدرك ذلك الغد، وبقيت قصته شاهدًا على أن التسويف قد يحرم الإنسان من أعظم الفرص وأن تأجيل الخير ليس دائمًا خيارًا آمنًا. فليس كل من قال “غدًا” أدرك الغد، وليس كل من أجّل القرار الصحيح مُنح فرصة أخرى لاتخاذه. فلا تؤجل القرارات التي ترى أنها صائبة إلى أجل غير مسمى فقد يكون هذا هو توقيتها الوحيد.



