
سلسلة عيادة القلوب:
المقال”15″
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي كان مع علو منزلته يقول: «اللَّهُمَّ لا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ».
إن من أخطر أمراض القلوب ذلك المرض الصامت الذي يتسلل إلى النفس فيزين لها أخطاءها، ويجعل صاحبها يرى نفسه فوق الناس، ويقنعه بأنه بلغ الكمال، وأنه لا يحتاج إلى مراجعة, أو نصيحة, إنه مرض الغرور؛ المرض الذي يخدع الإنسان قبل أن يخدع غيره، ويجعله يعيش في عالم من الوهم، حتى إذا انكشف الغطاء وجد نفسه قد خسر دنياه ,وآخرته.
فالغرور ليس ثقة بالنفس، بل هو ثقة زائفة مبنية على الوهم، وهو من أعظم أبواب الهلاك؛ لأنه يمنع صاحبه من رؤية عيوبه، ويغلق قلبه أمام النصيحة، ويزرع فيه الكبر والعجب, وحب الظهور.
قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾, [النجم: 32].
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾, [الانفطار: 6].
أولًا: ما هو الغرور؟:
الغرور هو انخداع الإنسان بنفسه أو بعلمه, أو بماله, أو بجماله ,أو بمنصبه, أو بعبادته، حتى يظن أنه أفضل من غيره، وأنه بمنأى عن الخطأ, أو الفشل.
قال الإمام الغزالي: “الغرور هو سكون النفس إلى ما يوافق الهوى مع خداع من الشيطان.”
وقال ابن القيم: “كلما ازداد العبد معرفة بربه ازداد تواضعًا، وكلما جهل ربه ازداد غرورًا.”
ثانيًا: الفرق بين الثقة بالنفس ,والغرور:
1)الثقة بالنفس:
تقوم على معرفة القدرات مع الاعتراف بالنقص.
تقبل النقد.
تشكر الله على النعم.
تدفع إلى التعلم والتطور.
٢)أما الغرور:
يرى صاحبه أنه لا يخطئ.
يحتقر الآخرين.
يرفض النصيحة.
ينسب الفضل إلى نفسه ،وينسى فضل الله.
ثالثًا: أسباب الغرور:
ضعف الإيمان.
كثرة المدح والثناء.
النجاح غير المصحوب بالشكر.
الجهل بالنفس.
مقارنة النفس بالضعفاء.
صحبة المتملقين.
نسيان الموت.
المال ،والسلطة.
الشهرة وحب الظهور.
قلة محاسبة النفس.
رابعًا: علامات الغرور:
احتقار الناس.
رفض النصيحة.
كثرة الحديث عن الإنجازات.
حب الثناء.
التعالي في الكلام.
الشعور بأن الجميع أقل منه.
الغضب إذا انتقده أحد.
إخفاء الأخطاء وتبريرها.
الاستهانة بذنوبه.
رؤية نفسه دائمًا على صواب.
خامسًا: صور الغرور:
غرور العبادة
قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 17].
غرور العلم
قد يحفظ الإنسان آلاف المسائل ويجهل نفسه.
غرور المال
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78].
غرور الجمال
غرور النسب
غرور المنصب
غرور الشهرة
سادسًا: أول مغرور في التاريخ:
أول من اغتر بنفسه هو إبليس.
قال تعالى: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾، [الأعراف: 12].
فكانت كلمة واحدة سببًا في لعنه إلى يوم القيامة.
سابعًا: نماذج من القرآن:
١)قارون:
اغتر بماله فخسف الله به الأرض.
٢)فرعون:
اغتر بسلطانه فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24].
٣)أصحاب الجنتين:
اغتر أحدهما بماله فقال: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 35].
ثامنًا: الآثار النفسية للغرور:
العزلة.
القلق الداخلي.
الحساسية للنقد.
فقدان الأصدقاء.
التوتر الدائم.
ضعف النمو الشخصي.
تاسعًا: الآثار الاجتماعية:
انتشار الكراهية.
ضعف العلاقات.
كثرة الخلافات.
انهيار روح الفريق.
ضياع التعاون.
عاشرًا: الآثار الإيمانية:
قسوة القلب.
ضعف الإخلاص.
الرياء.
الكبر.
سوء الخاتمة إن لم يتب الإنسان.
الحادي عشر: العلاج لهذا المرض:
معرفة النفس.
تذكر الموت.
الإكثار من الاستغفار.
شكر الله على النعم.
مصاحبة المتواضعين.
قبول النصيحة.
خدمة الناس.
قراءة سير الأنبياء، والصالحين.
الدعاء بالتواضع.
محاسبة النفس يوميًا.
الثاني عشر: من أقوال السلف:
١)قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.”
٢)وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “هلك امرؤ عرف قدره فتجاوزه.”
٣)وقال الحسن البصري: “المؤمن يجمع إحسانًا وخشية، والمنافق يجمع إساءة وأمنًا.”
الثالث عشر: اختبار ذاتي:
اسأل نفسك:
هل أضيق بالنقد؟
هل أفرح بالمدح أكثر من العمل؟
هل أرى نفسي أفضل من غيري؟
هل أنسب النجاح إلى نفسي أكثر من فضل الله؟
هل أتعلم من الآخرين أم أتعالى عليهم؟
كل إجابة بـ”نعم” تستحق مراجعة صادقة للنفس.
الرابع عشر: وصايا عملية:
اجعل لك خبيئة من العمل الصالح لا يعلمها إلا الله.
احمد الله عند كل نجاح.
لا تحتقر أحدًا.
استمع أكثر مما تتكلم.
تذكر أن فوق كل ذي علم عليم.
أكثر من قول: “اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين.”
الخاتمة:
إن الغرور ليس قوة، بل ضعف مستتر، وليس رفعة، بل بداية السقوط. وما تواضع عبد لله إلا رفعه، وما اغتر إنسان بنفسه إلا خذلته عند أول اختبار. فالسعيد من عرف قدر نفسه، وأيقن أن كل نعمة هي من فضل الله، وأن الطريق إلى القلوب يبدأ بالتواضع، والطريق إلى الله لا يُفتح إلا لمن كسر كبرياء نفسه بين يديه.
نسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من الغرور، وأن يرزقنا التواضع ،والإخلاص، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
المراجع العربية :
١)القرآن الكريم.
٢)صحيح البخاري.
٣)صحيح مسلم.
٤)الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين.
٥)ابن القيم، مدارج السالكين.
٦)ابن الجوزي، صيد الخاطر.
٧)ابن رجب الحنبلي، جامع العلوم والحكم.
٨)النووي، رياض الصالحين.
٩)ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
١٠)الطبري، جامع البيان.



