
لم تعد المشكلة في غياب الكفاءات بل في غياب من يملك الشجاعة لاختيارها
ففي كثير من المجالات أصبح صعود القيادات لا تحكمه معايير واضحة بل تحكمه مهارات جانبية… أبرزها القدرة على التكيف وإرضاء أصحاب القرار وإتقان فن الظهور المناسب في الوقت المناسب
وهنا يتحول المشهد إلى مفارقة مؤلمة الأكفأ ليس هو الأوفر حظا… بل الأقدر على اللعب داخل المساحات الرمادية
إن أخطر ما تواجهه أي مؤسسة ليس الفشل الظاهر بل الفشل الذي يُدار بثقة قيادات لا تملك رؤية لكنها تملك خطابا
لا تملك حلولا لكنها تملك مبررات
تتجنب المسؤولية وتُجيد صناعة الأعذار وتُحيط نفسها بدوائر مغلقة لا تسمع إلا صوتها
والنتيجة قرارات متأخرة فرص ضائعة كفاءات تُهمَّش ومناخ عام يُكافئ المرونة السلبية أكثر مما يُكافئ الجدارة
إن اختيار القيادة ليس قرارا إداريا عابرا بل هو حجر الأساس في نجاح أو فشل أي منظومة ولذلك، فإن أبجديات الاختيار لا تحتمل الاجتهاد أو المزاج بل تحتاج إلى قواعد صارمة في مقدمتها
أولا: معيار الكفاءة القابلة للقياس
ليس ما يُقال عن المرشح بل ما أنجزه فعليا. الأرقام النتائج والتجارب الواقعية هي الفيصل
ثانيا: النزاهة قبل المهارة
فالقائد الذي يفتقد القيم مهما بلغت كفاءته يتحول إلى خطر مؤجل
ثالثا: القدرة على اتخاذ القرار وتحمل نتائجه
فالقيادة ليست تجنب الأخطاء بل إدارة الأزمات بشجاعة ووضوح
رابعا: الرؤية الاستراتيجية
القائد لا يدير يومه فقط بل يُعيد تشكيل المستقبل
فقد عملت مع رؤساء كان آخر اليوم يقبل يده وجه وظهر بأن اليوم ( عدى على خير )
خامسا: بناء فرق عمل حقيقية
لا مكان لمن يصنع حوله جوقة تصفيق بل لمن يخلق بيئة تسمح بالاختلاف والإبداع
لكن الأهم من كل ذلك… هو آلية الاختيار نفسها
فلا قيمة لأي معايير إن لم تُطبق بشفافية
الطريقة المثلى تقتضي
إعلانا واضحا لشروط الترشح تقييما محايدا قائما على الأداء لجانا مستقلة وفترة اختبار حقيقية يُحاسب فيها القائد على النتائج لا على الانطباعات
كما أن الاستمرار في المنصب يجب أن يكون مرتبطا بالأداء لا بالولاء أو طول البقاء
المجتمعات لا تتعثر بسبب قلة الموارد… بل بسبب سوء الاختيار
فحين تُسند القيادة لمن يستحق تتحول التحديات إلى فرص
وحين تُمنح لمن لا يستحق تتحول الفرص إلى أزمات
ويبقى السؤال الأهم
هل نبحث فعلا عن القائد… أم عن من يُجيد لعب الدور؟



