صحف وتقارير

أصواتٌ ترتدي اليقين… وتبيع الوهم بثقة

بقلم: أشرف ماهر ضلع

 

على حوافّ الكلام اليومي، وفي زحام التعليقات التي لا تنتهي، برزت فئةٌ لا تكتفي بأن تكون جزءًا من المشهد، بل تصرّ على احتكاره كاملًا. لا تُحاور، بل تُصدر أحكامها وكأنها الحقيقة الأخيرة، ولا تُراجع، بل تُراجع الآخرين بمنطقٍ حادٍّ لا يعرف التردد. كأنها امتلكت مفاتيح الصواب وحدها، وأغلقت خلفها أبواب الشك.

هذه الفئة لا تحتاج إلى منصات رسمية ولا إلى تفويضٍ معلن؛ يكفيها شعور داخلي متضخم يمنحها سلطةً وهمية. تتحدث بثقةٍ لا يزعزعها دليل، وتُدين بجرأةٍ لا يردعها منطق، وتُصنّف الناس وفق رؤيتها الضيقة، وكأنها معيارٌ ثابت في عالمٍ يتغير كل لحظة.

والمفارقة المؤلمة، أن أصحاب هذه النبرة الحاسمة، هم أنفسهم ملاذ الأخطاء حين تُختبر أقوالهم. يزلّون كما يزلّ غيرهم، بل ربما يسقطون في تناقضاتٍ صارخة، لكنهم لا يتوقفون لحظةً لمراجعة الذات. بل على العكس، يعيدون تشكيل الخطأ ليبدو صوابًا، ويصوغون التبرير كأنه حقيقةٌ بديلة، ثم يمضون في الطريق ذاته بثقةٍ أشد.

يكذبون… ثم يصدّقون ما قالوه، وكأن الكلمة إذا خرجت منهم صارت قدرًا لا يُرد. يتعاملون مع أقوالهم بوصفها نصوصًا لا تُناقش، ومع اعتراض الآخرين باعتباره خروجًا على “النظام” الذي صنعوه لأنفسهم. وهنا يتحوّل الوهم إلى قناعة، وتصبح المبالغة واقعًا داخليًا لا يُرى من خارجه.

والأشد قسوة، أن الشهود حاضرون، والأدلة واضحة، بل أحيانًا فاضحة في وضوحها. ومع ذلك، يختار هؤلاء أن يغمضوا أعينهم عنها، أو يلووا عنقها حتى تتماشى مع روايتهم. لا لأن الحقيقة غامضة، بل لأن الاعتراف بها يتطلب شجاعة لا يملكونها، أو ربما لا يريدون امتلاكها.

إنها حالة من التماهي الكامل مع الدور؛ حيث يلبس الإنسان قناع الكمال حتى ينسى ملامحه الحقيقية. يعتقد أنه فوق الخطأ، فيسقط فيه أكثر. ويرى نفسه صوتًا للحق، بينما هو في الحقيقة صدى لصوته الداخلي فقط، لا يسمع سواه.

وليس الخطر في وجود هذه النماذج بحد ذاته، فكل زمنٍ يحمل تناقضاته، لكن الخطر الحقيقي أن تجد من يصفّق لها، أو يسلّم لها بقيادة الوعي دون تمحيص. حينها، تتشوّه المعايير، ويصبح الادعاء بديلاً عن الحقيقة، والثقة المفرطة بديلاً عن الدليل.

غير أن الزمن، ذلك الكاشف الصبور، لا يترك الأقنعة في أماكنها طويلًا. فكل روايةٍ مختلقة، مهما بدت متماسكة، تحمل في داخلها بذور انكشافها. وكل صوتٍ عالٍ بلا سند، يذبل حين يواجه أول اختبار حقيقي.

في النهاية، لا يحتاج المجتمع إلى من يدّعي امتلاك الحقيقة، بل إلى من يسعى إليها. لا إلى من يتحدث بثقةٍ مطلقة، بل إلى من يراجع نفسه قبل أن يراجع الآخرين. فالبشر، مهما حاولوا التحليق، تظل أقدامهم على الأرض… ومن نسي ذلك، سقط من أول وهم.

 

.

.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock