مقالات وآراء

حين يكون الابتلاء في النعمة لا في الفقد

بقلم : د كامل عبد القوي النحاس 

 

 

ليس كل ابتلاء يأتي في صورة فقد، ولا كل امتحان يُشبه الألم المباشر.

فأشدّ ما يختبر الله به القلوب أحيانًا هو ما نعدّه نحن نعمة خالصة لا يُمتحن فيها أحد.

 

أن تُحرم… فهذا ابتلاء مفهوم.

لكن أن تُعطى… ثم يُطلب منك أن تفهم معنى العطاء… فذلك امتحان أعمق.

 

ومن هنا تبدأ قصة الذبح العظيم.

 

لقد مرّ إبراهيم بمراحل دقيقة من هذا الابتلاء المتدرج؛

حرمان طويل من الولد، ثم عطاء متأخر، ثم تعلّق القلب بما جاء بعد انتظار، ثم اختبار لا يمس المال ولا المكانة، بل يمس القلب مباشرة.

 

فالولد ليس شيئًا خارجيًا في حياة الأب، بل امتداد داخلي لروحه.

ولهذا كان الامتحان هنا في موضع الحياة نفسها لا في هامشها.

 

قال تعالى في أصل هذه السنة الإلهية:

 

﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾

 

فالخير ليس راحة مطلقة، بل مساحة اختبار جديدة.

والنعمة ليست نهاية الطريق، بل بداية سؤال جديد:

هل ستقودك إلى الله أم تُقيمك عندها؟

 

وكل إنسان يحمل في داخله “إسماعيلًا” ما؛

شيئًا إذا أُعطي له اطمأن، وإذا أُخذ منه اضطرب.

وقد يكون ذلك الشيء شخصًا، أو أمنية، أو مستقبلًا، أو صورة يريد أن تبقى كما هي.

 

وحين تتعلّق القلوب، لا يعود الابتلاء في الحرمان فقط، بل في الخوف من زوال ما أُعطي.

 

ثم تأتي الرؤيا.

 

ليست رؤيا عادية، بل خطاب إلهي ثقيل المعنى:

أن يذبح إبراهيم ابنه.

 

وهنا يتكشف جوهر الابتلاء:

ليس في الأمر ذاته، بل في القدرة على تقديم الأمر على الفهم.

 

فالعقل يتساءل، والقلب يتألم، لكن الوحي يحسم.

 

ومع ذلك، لم يُطلب من إبراهيم أن يكون قاسيًا، بل أن يكون صادقًا.

لذلك جاء خطابه لابنه ممتلئًا بالرحمة لا بالسلطة:

 

﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾

 

إنه إبلاغ يحمل الألم، لا إعلان تنفيذ جامد.

وكأن الأب يشارك ابنه ثقل التكليف لا يفرضه عليه وحده.

 

لكن المفاجأة ليست في أمر الأب، بل في جواب الابن.

 

قال إسماعيل:

 

﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾

 

هنا لم يعد النقاش بين شخصين، بل بين الإنسان والأمر الإلهي.

فإذا ثبت أنه أمر الله، سقطت كل الاعتراضات الأخرى.

 

ثم أضاف ما يكشف بشرية الموقف لا بطولته:

 

﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾

 

لم يقل: أنا ثابت، ولا أنا قادر، بل جعل الصبر مشروطًا بمشيئة الله.

لأن الإنسان في أشد لحظات الاختبار لا يملك نفسه، بل يطلب من الله أن يثبته.

 

وهنا تتضح دقة القرآن في اختيار الألفاظ.

فلم يقل “من الصالحين”، لأن المقام ليس مقام صلاح هادئ، بل مقام صراع داخلي مع الألم.

أما “الصبر” فهو الاسم الحقيقي للنجاح في هذا النوع من الابتلاء.

 

ثم تأتي اللحظة التي تتجاوز اللغة:

 

﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾

 

أسلما… لا واحدًا منهما فقط.

بل الأب والابن معًا في حالة تسليم كامل.

 

كان أحدهما يسلّم عنقه، والآخر يسلّم قلبه.

ولا أحد منهما يملك ترف التراجع.

 

وهنا يصل الابتلاء إلى ذروته:

ليس في الفعل، بل في اكتمال الاستسلام.

 

ثم تأتي الإجابة الإلهية:

 

﴿يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾

 

لم يكن المقصود اختبار القوة، بل اختبار الصدق.

هل يصل الإنسان في الطاعة إلى آخر ما يستطيع؟ أم يتوقف عند أول ألم؟

 

وحين ثبت الصدق، لم يعد هناك داعٍ للفعل.

 

لأن الله لا يريد من عباده أن يُنهكوا، بل أن يُعرفوا.

 

ثم تأتي القاعدة الكبرى:

 

﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾

 

فالإحسان هنا ليس مجرد أداء، بل تسليم واعٍ في ذروة الألم.

 

ثم ينكشف المعنى:

 

﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾

 

بلاء واضح، لأنه يمس القلب مباشرة، ويكشف مركز التعلّق الحقيقي في الإنسان.

 

ثم تأتي الرحمة التي تغيّر اتجاه المشهد كله:

 

﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾

 

فالذبح لم يقع، لأن المقصود تحقق قبل وقوعه.

لقد وصل القلب إلى الله، فانتهى الامتحان قبل أن يكتمل الألم.

 

وهكذا يظهر أن الله لا يقصد الألم لذاته، بل يقصد الوصول.

 

وفي هذا تتضح سنة متكررة:

كلما اشتد البلاء… اقترب الفرج، لا لأنه مكافأة فقط، بل لأن القلب يكون قد أصبح أقرب إلى الله.

 

ومن هذا المعنى نفهم أن بناء الأمم لا يبدأ من القوة، بل من الأسرة التي تفهم هذا القانون:

أن النعمة اختبار، وأن الطاعة مقدّمة على الرغبة، وأن البيت حين يسلّم لله يصنع أثرًا يتجاوز الزمن.

 

وهكذا لم تكن قصة الذبح العظيم لحظة عابرة في تاريخ أب وابن،

بل لحظة تأسيس لمعنى:

أن الإنسان لا يُختبر ليُهزم، بل ليُعرَف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock