مقالات وآراء

نذر الصدام وحافة الهاوية في الشرق الأوسط

منى منصور

يمر الشرق الأوسط بمنعطف استراتيجي شديد الخطورة، حيث تتصاعد نبرة التهديدات العسكرية بين واشنطن وطهران لتتجاوز حدود الحرب النفسية المعتادة إلى آفاق صدام مسلح وشيك، وهو ما عبّر عنه بوضوح اللواء سمير فرج في قراءته التحليلية الأخيرة. وتكتسب هذه القراءة أهمية استثنائية لكونها تنطلق من عقيدة عسكرية وخبرة ميدانية ترى في سلوك الأطراف الراهن مؤشرات على انسداد القنوات الدبلوماسية التقليدية، وتكشف عن تحول جوهري في طبيعة الصراع الذي بلغت فيه أعمال القتال يومها التاسع والسبعين دون أي أفق للحل.

إن السمة البارزة للمشهد الحالي تكمن في التصلب التام للمواقف الاستراتيجية، حيث تتباعد شروط الطرفين بشكل يجعل من الصعب إيجاد مساحة مشتركة؛ فالإصرار الإيراني على نيل تعويضات الحرب ووقف إطلاق النار الشامل يصطدم برفض أمريكي قاطع يربط أي تهدئة بالإنهاء الكامل لكافة الأعمال العسكرية. ويتزامن هذا الانسداد الدبلوماسي مع تضييق مستمر لعامل الوقت، إذ يعيش كلا الجانبين تحت وطأة استنزاف متبادل؛ فبينما يعاني الداخل الإيراني من تداعيات حصار بحري خانق يكبد الموازنة خسائر يومية فادحة ويدفع الشارع نحو الغليان بسبب البطالة والتضخم، تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطاً متزايدة مع قفز أسعار النفط العالمية واقتراب استحقاقات دولية كبرى يرغب الرئيس ترامب في تصفية الأزمة قبل حلولها.

وفي ضوء هذا الانسداد، يبدو أن السيناريوهات العسكرية القادمة ستتخذ طابعاً مغايراً للجولات السابقة التي ركزت على استهداف المنشآت النووية. فالقراءة المتأنية للعقيدة العسكرية الغربية وشخصية القيادة الأمريكية الحالية تشير إلى احتمال اللجوء إلى استراتيجية الضربات النيرانية المتصاعدة بهدف شل البنية التحتية الحيوية لإيران وإجبار نظامها على الركوع خلف طاولة المفاوضات. ورغم استبعاد خيار الغزو البري تماماً، فإن حجم الحشد العسكري الأمريكي غير المسبوق في المنطقة يمنح واشنطن وتل أبيب خيارات نيرانية تدميرية قادرة على استهداف محطات الطاقة والمياه والنقل، مستغلة في ذلك الانكشاف الدفاعي والجوي الكامل للجانب الإيراني بعد جولات التدمير السابقة.

لا تتوقف خطورة هذا المشهد عند حدود المواجهة العسكرية المباشرة، بل تمتد لتصيغ مستقبل المنطقة بكاملها في مرحلة ما بعد الحرب. إن إصرار القيادة الأمريكية على الخروج بمظهر المنتصر وتصعيد أدواتها النيرانية سيترك ندوباً غائرة في جسد الإقليم؛ فحتى مع العقلانية الشديدة التي أبدتها دول الخليج بالنأي بنفسها عن القواعد العسكرية، فإن الذاكرة السياسية للمنطقة لن تغفر التجاوزات الإيرانية السابقة. نحن أمام مخاض عسير سيعيد رسم خريطة التحالفات والعداءات لسنوات طويلة قادمة، مما يجعل من مرحلة ما بعد الأزمة زمناً مغايراً تتبدل فيه الحسابات الأمنية والسياسية بشكل جذري، ويضع المنطقة بأسرها على حافة تحول تاريخي غير مأمون العواقب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock