صحف وتقارير

ذهب الجنوب .. كيف يهدد الدهابة ثروات مصر التعدينية؟

بقلم: أحمد شتيه

 

في الوقت الذي تسعى فيه الدولة المصرية إلى تعظيم الاستفادة من ثرواتها التعدينية بصورة منظمة، برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة التنقيب العشوائي عن الذهب، أو ما يعرف بـ”الدهابة”، خاصة في مناطق جنوب مصر والنوبة الشرقية والغربية، لتتحول من نشاط فردي بحثاً عن الثراء السريع إلى قضية تتشابك فيها الأبعاد الأمنية والاقتصادية والبيئية والاجتماعية.

 

ساهمت الارتفاعات القياسية في أسعار الذهب عالمياً في جذب آلاف الشباب إلى مناطق الصحراء الوعرة بحثاً عن المعدن النفيس، مستعينين بأجهزة كشف المعادن ومعدات بدائية، بعيداً عن الإطار القانوني المنظم لعمليات التعدين.

ورغم أن البعض يرى في هذه الظاهرة باباً للرزق، فإن الواقع يكشف عن مخاطر جسيمة تتجاوز المكاسب الفردية، لتطال الأمن القومي والثروات الطبيعية

 

يحرم التنقيب غير الشرعي الدولة من الاستفادة الاقتصادية الحقيقية من مواردها الطبيعية، إذ يتم استخراج كميات من الخام وبيعها بعيداً عن القنوات الرسمية، بما يعني خسارة عوائد مالية وفرصاً استثمارية كان يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وخلق صناعات تعدينية متكاملة.

كما يؤدي العمل العشوائي إلى إهدار أجزاء كبيرة من الخام بسبب غياب الخبرة والتكنولوجيا الحديثة، ما يقلل من القيمة الاقتصادية للمناجم والمناطق الواعدة.

 

تمثل مناطق النوبة وجنوب شرق مصر نطاقاً استراتيجياً حساساً بالقرب من الحدود الجنوبية، الأمر الذي يجعل تحركات المنقبين غير الشرعيين مصدر قلق أمني، خاصة مع إمكانية استغلال بعض شبكات التهريب والجريمة المنظمة لهذه الأنشطة في تهريب الذهب أو الأسلحة أو البشر.

كما أن انتشار المركبات والمجموعات غير المرخصة في المناطق الصحراوية يزيد من صعوبة الرقابة ويضع أعباء إضافية على الأجهزة الأمنية.

 

يلجأ بعض المنقبين إلى استخدام مواد كيميائية خطرة مثل الزئبق والسيانيد لفصل الذهب عن الصخور، وهي مواد شديدة السمية قد تتسبب في تلوث المياه الجوفية والتربة، فضلاً عن الإضرار بالنظام البيئي الهش في المناطق الصحراوية.

ويحذر خبراء البيئة من أن آثار هذه الممارسات قد تمتد لعقود طويلة، ما يهدد التنوع البيولوجي والحياة البرية في جنوب مصر.

 

لا تخلو عمليات التنقيب العشوائي من الخسائر البشرية، إذ تشهد الصحراء بين الحين والآخر حوادث وفاة وإصابات نتيجة انهيار الحفر أو التعرض للعطش والجوع أو الضياع في المناطق النائية، فضلاً عن غياب الرعاية الطبية ووسائل السلامة.

كما أدت هذه الظاهرة إلى وقوع بعض الشباب ضحية لشبكات النصب والاتجار غير المشروع، بعدما أنفقوا مدخراتهم أملاً في العثور على الذهب.

 

تمتلك منطقة النوبة إمكانات اقتصادية وسياحية وتعدينية كبيرة، إلا أن استمرار التنقيب العشوائي يهدد جهود التنمية التي تستهدف تحويل جنوب مصر إلى مركز اقتصادي واعد، ويؤثر على الاستثمارات الرسمية التي تحتاج إلى بيئة مستقرة وقوانين واضحة.

ويرى متخصصون أن الحل لا يكمن فقط في المواجهة الأمنية، بل في وضع آليات تسمح بدمج صغار المنقبين في إطار قانوني منظم، ومنح تراخيص محددة، وإنشاء مناطق تعدينية تخضع للرقابة الفنية والبيئية، بما يحقق الاستفادة الاقتصادية ويحافظ على حقوق الدولة.

الخلاصة

يبقى الذهب ثروة قومية لا تقل أهمية عن النفط والغاز، لكن البحث عنه خارج إطار القانون قد يحول هذه النعمة إلى مصدر للفوضى والخسائر. وبين أحلام الثراء السريع ومتطلبات الأمن والتنمية، تبدو الحاجة ملحة إلى استراتيجية متكاملة توازن بين استغلال الموارد الطبيعية وحماية مقدرات الدولة، حتى لا تتحول صحارى النوبة الغنية بالذهب إلى ساحة مفتوحة للنزيف الاقتصادي والمخاطر الأمنية والبيئية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock