مقالات وآراء

لم يرحلوا بل اتحدوا في كل شيء

بقلم/ أحمد طه

 

حين يغيب من نأنس بهم، نجدهم حاضرِين في كل شيء.

هناك أشخاص لا يرحلون تمامًا، بل يتحولون إلى معنى، إلى إحساس رقيق يسكن التفاصيل الصغيرة دون أن نشعر.

الشخص الذي تأنس به، وعشت معه سنين السراء والضراء، لم يكن مجرد وجه أو صوت أو ذكرى عابرة.

كان وطنًا مؤقتًا، وطمأنينة مشروطة بالوجود.

وحين رحل، لم يترك فراغًا فقط، بل ترك أثره في كل ما هو جميل حولك.

بعض الغائبين يتركون أثرًا يندمج في حياتنا دون أن ندركه مباشرة.

يغيبون جسديًا، لكن أرواحهم تذوب في الأماكن، وفي الكلمات، وفي اللحظات التي تمنحنا السلام والراحة.

 

ولأن بعض الغائبين لم يتقبلوا فكرة الغياب، ولم يقبلوا أن يُختصروا في ذكرى باهتة أو حنين عابر، عادوا إلينا على هيئة أوسع من الجسد، وأبقى من الصورة.

عادوا متحدين بكل ما هو جميل، سابحين في التفاصيل الصغيرة، حالّين في كل ما يمنح القلب سلامًا وطمأنينة.

عادوا في ضوءٍ خفيف، وفي كلمة طيبة، وفي لحظة سكينة بلا سبب.

وأحيانًا… عادوا في رائحة.

رائحة عابرة تمر فجأة بلا موعد، تشبههم حدّ الوجع.

نشمّها في هواء الصباح، أو في ملابس قديمة، أو في ركن لم ننتبه له من قبل، فنشعر للحظة أنهم قريبون جدًا.

الرائحة لا تُرى ولا تُمسك، لكنها أقوى من الصورة، وأصدق من الذاكرة.

تمرّ فتوقظ القلب، وتربك الحنين، ثم تختفي، كأنها تقول: نحن هنا، لكن بطريقتنا.

كأنهم يهمسون لنا من بعيد: غابت الأجساد، نعم، لكن الأرواح لا تغيب، ولا تعرف طريق الرحيل.

نراهم في مكان هادئ يبعث الطمأنينة، في مقعد يطل على منظر جميل، في ركن بسيط نشعر فيه بالأمان دون سبب واضح.

 

نراهم في كلمة طيبة تمر بجانبي، في جملة عابرة يقولها شخص لا أعرفه، لكنها تصيبني في العمق، كما كان يفعل هو.

نراهم في لحظة سلام مفاجئة، حين يهدأ صدري دون مقدمات، ويبدو كل شيء على ما يرام رغم كل شيء.

هذا الإحساس لم أتعلمه، بل ورثته منهم.

غيابهم لم يكن نهاية، بل تحوّل… تحوّل من شخص حاضر إلى أثر دائم.

حين تعجز عن الاحتفاظ بمن تأنس به، احتفظ بالمعنى الذي زرعه فيك.

فالشخص الذي أنست به لم يعد مجرد شخص، بل صار فكرة، إحساسًا مقيمًا، وسكينة متنقلة، ومعيارًا تُقاس به الأشياء.

كل جميل يشبهه، وكل لحظة صدق تمر بك، تدرك أنه مرّ من هنا يومًا.

هو غير موجود، ولا يمكن أن يعود كما كان… لكنه لم يرحل تمامًا.

لقد اختار أن يكون أقل ألمًا، وأوسع من وجود محدود، أن يكون في كل شيء جميل، بدل أن يكون في مكان واحد لا نصل إليه.

وهكذا تعلمت أن بعض الغيابات ليست خسارة، بل تحوّل…

تحوّل من شخص إلى أثر، ومن حضور محدود إلى وجود لا نهائي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock