
هى دولة على حافة التماهي حين يصبح الحاكم مصير الكيان
في لحظات تاريخية نادرة تتكثف أزمات الدول في شخص واحد لا بوصفه قائدا سياسيا فحسب بل كمرآة تعكس إختلالا عميقا في بنية الدولة ذاتها.
وعندما تصل هذه الحالة الى ذروتها يصبح السؤال المطروح ليس عن مستقبل ذلك القائد بل عن مصير الكيان الذي إرتبط به كالحاكم الآمر الناهي المتحكم في كل مؤسسات الدولة عضويا حتى كاد يذوب فيه.
ضمن هذا السياق القاتم برزت قراءة سياسية شديدة الحدة داخل المجتمع الاسرائيلي نفسه تعكس حالة من القلق الوجودي غير المسبوق.
فالنقاش لم يعد يدور حول خلافات حزبية أو تنافس إنتخابي بل تجاوز ذلك الى تشخيص أزمة بنيوية تهدد فكرة الدولة وإستمراريتها.
هذه القراءة التي جاءت على لسان أصوات من داخل النخبة الفكرية الاسرائيلية تطرح فرضية صادمة مفادها ان الدولة باتت مختزلة في شخص رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو إلى درجة أن مصيره السياسي صار متشابكا بشكل خطير مع مصيرها المؤسسي وهو سبب رئيسي في إختزال الكيان في ذات نفسه.
التحليل يذهب أبعد من مجرد توصيف أزمة حكم ليقدم صورة لجسد سياسي أصابه تآكل تدريجي عفن نتيجة ما يوصف بعملية تفكيك ممنهجة هذا التفكيك وفقا لهذا الطرح لم يقتصر على مستوى واحد بل طال بنية المجتمع ومؤسسات الجيش وإستقلال القضاء وحتى منظومة القيم التي طالما قدمت كأساس للتماسك الداخلي.
وبهذا المعنى لم تعد الأزمة قابلة للإحتواء عبر أدوات السياسة التقليدية بل تحولت إلى أزمة وجودية تمس جوهر الكيان.
اللافت في هذا الخطاب ليس فقط حدته بل مصدره ايضا.
فهو صادر من داخل البيت الاسرائيلي، ما يمنحه وزنا مختلفا ويعكس حجم التصدع الداخلي.
إذ لم تعد الإنتقادات موجهة إلى سياسات بعينها بل إلى نموذج الحكم نفسه الذي يوصف بإنه إعاد تشكيل الدولة على صورته بحيث أصبحت مؤسساتها إمتدادا لسلطته لا كيانات مستقلة قادرة على موازنته او محاسبته كما هو الحال
بمجتمعاتنا العربية.
ومن أخطر ما يطرحه هذا التقييم هو فكرة التماهي الكامل بين الحاكم والدولة.
فعندما يصل النظام السياسي إلى مرحلة تصبح فيها شرعيته مرتبطة ببقاء شخص واحد فإن اي اهتزاز في موقع هذا الشخص يتحول تلقائيا إلى تهديد مباشر لإستقرار الدولة.
هنا لا يعود الحديث عن تداول سلطة بل عن فراغ قد يفتح الباب على سيناريوهات تفكك أو إعادة تشكل غير محسوبة.
في المقابل يوجه هذا الخطاب نقدا قاسيا للمعارضة الاسرائيلية متهما أياها بإنها رغم سعيها الظاهري لمواجهة الحكومة تساهم بشكل غير مباشر في إطالة عمر الأزمة.
فتمسكها باطر للعبة السياسية التقليدية
وولاؤها لفكرة الدولة كما هي قد يمنح النظام القائم شرعية إضافية ويؤجل لحظة المواجهة الحاسمة مع جذور الأزمة.
على الصعيد الخارجي تتقاطع هذه القراءة مع مؤشرات متزايدة على تراجع صورة إسرائيل دوليا وتصاعد الإنتقادات لسلوكها السياسي والعسكري.
هذا التراجع لا يعكس فقط خلافات دبلوماسية بل يشير إلى تحول أعمق في موقع الدولة ضمن النظام الدولي حيث لم تعد تحظى بذات الغطاء او القبول الذي تمتعت به في مراحل سابقة.
مع ذلك من المهم التعامل مع هذا الطرح بقدر من الحذر التحليلي.
.
فاللغة المستخدمة رغم قوتها تحمل طابعا دراميا يعكس حالة من الإحباط والغضب داخل قطاعات من النخبة ولا يمكن إعتبارها توصيفا نهائيا لحتمية الإنهيار.
فالدول حتى في أكثر لحظات الأزمة تمتلك قدرا من المرونة يسمح لها باعادة التكيف وإصلاح مساراتها خاصة إذا توفرت أرادة سياسية ومجتمعية لذلك.
لكن ما لا يمكن إنكاره هو أن هذا النوع من الخطاب يكشف عن مستوى غير مسبوق من القلق داخل المجتمع الاسرائيلي ويطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة ومستقبلها. هل يمكن فصل مصير الكيان عن مصير قيادته الحالية وهل تمتلك المؤسسات القدرة على إستعادة إستقلالها ووظيفتها أم أن عملية التماهي وصلت إلى نقطة يصعب عندها الفصل بين الأثنين قد لا تكون الإجابة حاسمة الان لكن المؤكد أن المرحلة الراهنة تمثل إختبارا حقيقيا لصلابة الدولة وقدرتها على البقاء.
فالتاريخ يعلمنا ان الدول لا تسقط فقط بفعل الضغوط الخارجية بل قد تنهار من الداخل عندما تفقد توازنها المؤسسي وتختزل في إرادة فرد مختل بالبرانويا آيا كان موقعه أو قوته.



