مقالات وآراء

« قصة المغزل» الجزء الثاني ..ميثاقُ الصمتِ والوفاءُ الأسطوري

بقلم د-كامل عبد القوي النحاس

بعد أن انقضت أيامُ العزاء الموحشة، وانفضَّ المعزون عن تلك الدار التي غلفها الحزن برداءٍ ثقيل، وقف الأبُ وحيداً أمام اختبار القدر الأعظم في لحظة فارقة من تاريخ الأسرة.

 

كانت الوحدةُ تنهش جدران البيت الساكن، والعيونُ السبعة الصغيرة ترقبُ في وجلٍ وصمتٍ ما سيفعله الرجل الجبل بعد رحيل رفيقة العمر وكفاح السنين الطويلة.

 

كان الجميع في القرية، وبدافع الشفقة وحسن النية، يهمسون في أذنه بضرورة الزواج من جديد؛ فالبيتُ كبير والمسؤولية جسيمة، والأبناءُ صغار في حاجة لرعاية، والحملُ ثقيلٌ لا يقوى عليه رجلٌ بمفرده في خريف العمر.

 

لكنَّ ردَّه كان صاعقاً في وقاره وهادئاً كجريان النيل في ليله الساكن؛

 

لقد أغلق الأب باب قلبه للأبد، وأعلن ميثاق الوفاء الأسطوري الذي سيصبح بمرور الأيام حديث الركبان في صعيد مصر.

 

لم يكن قراره التاريخي بالبقاء وحيداً مجرد وفاءٍ عاطفي لذكرى امرأةٍ أحبها، بل كان قراراً استراتيجياً لبناء أمةٍ صغيرة داخل حدود هذا البيت البسيط.

 

كان يرى بوعيه الفطري وبصيرته النافذة أن دخول امرأة غريبة إلى عالم أبنائه السبعة قد يعكر صفو ذكرياتهم النقية، أو يشتت شملهم الذي غزله مع أمهم خيطاً خيطاً بدم القلوب.

 

فقرر بكامل إرادته أن يكون هو الأب والأم، والمربي والحارس، والكداد الذي لا يلين له عزم.

 

عاد إلى نَوْله الخشبي بصلابة مضاعفة، لكنه هذه المرة لم يكن يغزل الصوف فحسب، بل كان يغزل ميثاقاً غليظاً مع الله؛ أن يسلم هؤلاء السبعة إلى منصات المجد والسيادة دون أن يشعروا يوماً بمرارة اليتم أو فجوة الغياب التي تركها رحيل الأم الغالية.

 

صومعةُ الكدحِ وطهارةُ المسعى

 

مرت السنوات ثقيلة في عدها، عظيمة في أثرها، وتحول البيتُ بمرور الوقت إلى صومعةٍ مقدسة مخصصة للعلم والعمل الدؤوب.

 

كان الأب يبدأ يومه الطويل قبل صلاة الفجر بمتسع، يناجي ربه في سكون الليل، ثم يجلس خلف مِكوكه الخشبي في أزيزٍ منتظم لا ينقطع حتى ساعات الليل المتأخرة.

 

كانت أصابعه تتشقق من ملامسة الخيوط، وظهره ينحني بفعل السنين، وبصره يضعف أمام وهج المصباح البسيط، لكنَّ يقينه كان يزداد قوةً ورسوخاً مع كل ضربة نول.

 

كان يرفض بكلمات قاطعة أي مساعدةٍ خارجية مهما عظم شأنها، ويأبى أن يمد يده لغير خالقه، مؤمناً بأن اللقمة الحلال التي تخرج من عرق جبينه الطاهر هي الوقود الوحيد والمقدس الذي سيفتح لأبنائه أبواب الجامعات الموصدة ومستقبلهم الواعد.

 

كان يراقب أبناءه السبعة وهم يكبرون أمام عينيه كالأشجار الباسقة، ويراقب الكتب والمجلدات وهي تتراكم على طاولاتهم الخشبية البسيطة، فيبتسم بصمتٍ بليغ يحمل في طياته فخراً لا تسعه الكلمات.

 

لم يكن يتحدث كثيراً أو يكثر من المواعظ، بل كانت القدوة الصامتة والمثابرة هي منهجه التربوي الأصيل؛ فحين كان يرى الأبناء والدهم يغسل ثيابه بنفسه بكرامة، ويعد طعامه المتواضع بتعفف، ويقف في محراب عمله كالنساك الزاهدين، كانوا يستمدون منه طاقةً جبارة تدفعهم نحو القمة.

 

تحول الفقر في بيتهم من عوز مادي إلى حالة سيادية من الكبرياء؛ فما كان ينقصهم من ترف المادة الخادع، كانوا يعوضونه بترف القيم وعلو الهمة والترفع عن الصغائر.

 

لقد غرس في أرواحهم أن كرامة الرجل الحقيقية في صنعته وعمله، وأن سيادة العلم فوق كل جاه وسلطان، وأن طيب الأثر هو الإرث الحقيقي الوحيد الذي لا تبدده الأيام ولا تمحوه السنون.

 

حصادُ النورِ ووصولُ السبعة

 

وعندما أذن الله بآوان الحصاد الجميل، بدأت الثمار تنضج واحدةً تلو الأخرى في مشهدٍ مهيب يثير غبطة القلوب الصادقة. لم تذهب تلك الليالي الطويلة والمضنية التي قضاها الأب خلف نوله سدى، ولم تذهب دعوات الأم الراحلة أمام تنورها اللاهب هباءً منثوراً.

 

فإذا بالدار البسيطة التي كانت تأوي خلف جدرانها سبعة أطفالٍ يتامى في مهب الريح، تخرج للوطن جيشاً من القادة والعلماء والرجال الذين يشار إليهم بالبنان في كل محفل.

 

فمن رحم الكدح وابن النول خرج القائد السيادي الذي يخدم الوطن بوفاء، والطبيب البارع الذي يعالج آلام الناس برحمة، والمستشار الجليل الذي يرسخ دعائم العدل، والمهندس الذي يبني ويعمر، والأكاديمي الجهبذ الذي ينشر نور العلم في العقول.

 

كان الأب يرقب هذا الوصول العظيم والتمكين المهيب بعينين دامعتين وقلبٍ شاكرٍ لا يفتر عن الحمد، ولم تتغير ملامحه أو تتبدل قناعته الراسخة رغم بريق المكانة التي وصل إليها أبناؤه.

 

ظلَّ هو ذاك الرجل البسيط المترفع، يرفض بإصرار أن يترك نَوْله الخشبي القديم حتى بعد أن تربع أبناؤه السبعة على أعلى مراتب المجد والسيادة في الدولة.

 

كان يقول لهم بلسان حاله الذي يقطر حكمة:

 

هذا النول هو أصلُ حكايتكم ومبتدأ مجدكم، منه نبتت كرامتكم التي يعرفها الناس، وبأزيزه الصابر غُزلت مناصبكم الرفيعة، فلا تنسوا أبداً طعم الحلال الذي صنع هذه المكانة.

 

لقد صار الأبناء اليوم هم مغزل والدهم الجديد، ينشرون قيم الوفاء والنزاهة في كل موقعٍ يتقلدونه، حاملين معهم عبق تلك الدار الصعيدية الأصيلة وطهر تربيتها إلى أروقة الدولة العظمى ومؤسساتها الكبرى.

 

معجزةُ الثمانين.. ودموعُ الحج

 

وفي ختام هذه الملحمة الإنسانية الباذخة، كان لا بد للقدر الرحيم أن يضع مسك الختام فوق جبين هذا الرجل الذي قارب الثمانين من عمره، وهو لا يزال يحمل في قلبه غضاضة الشوق ووفاء العهد القديم. كان حلمُه الوحيد الذي يخبئه في أعماق روحه ويناجي به ربه في سجدات السحر، هو زيارة بيت الله الحرام؛ ليس كأي زائر عابر، بل كحاجٍّ يختم به رحلة الكدح ويغسل به عناء السنين الطويلة.

 

وهنا تجلت معجزة الوفاء في أبهى صورها؛ فقد وقف الأبناء السبعة، الذين غدوا اليوم قادةً وسادةً حصوناً للوطن، صفاً واحداً تحت أقدام والدهم، يحملونه على الأعناق وفي سويداء القلوب إلى رحاب مكة الطاهرة.

 

كانت رحلة الحج في عقده الثامن ليست مجرد أداءٍ لشعيرة دينية، بل كانت مراسم تتويج إلهية لصبرٍ صامتٍ وجلد أسطوري دام عقوداً، واحتفاءً كونياً برجلٍ غزل من خيوط الصبر وجوداً ومجداً.

 

وهناك، أمام الكعبة الغراء وفي مهبط الوحي، وقف الرجل النحيل الذي لم يهده الشيب ولم تكسره السنون ، لكن أوقره الإيمان وثبته اليقين الصادق. انهمرت دموعه بغزارةٍ لم يعهدها أبناؤه من قبل؛ لم تكن دموع وهنٍ أو ضعف، بل كانت دموع النصر المتوج بطيب الأثر، ودموع الوفاء لرفيقة الدرب الغائبة الحاضرة.

 

في تلك اللحظة المقدسة، رأى شريط العمر يمر أمام عينيه كبرقٍ خاطف: رأى نَوْله الخشبي القديم وهو يئن تحت أصابعه الخشنة، ورأى وجه الغزَّالة الراحلة وهي تبتسم له وسط لهيب الفرن، ورأى أيدي أبنائه السبعة وهي تحيط به كالسوار وتتحسس أثر الشقاء في كفه لتقبلها بخشوع.

 

لقد أتمَّ الرسالة برحمة الله، وحفظ الأمانة بجلد الصابرين، وأثبت للعالم أجمع أن من طلب الحلال بصدق، وصبر على مرارة الوفاء، لا بد أن يذوق في النهاية حلاوة الحصاد وطيب الأثر.

 

عاد من بيت الله وكأنه ولد من جديد، بقلبٍ مطمئنٍ وروحٍ محلقة، تاركاً خلفه قصةً أسطورية ستظل تُروى في دواوين المجد، عن رجلٍ لم يبع خيطاً واحداً من ميثاق عائلته، فغزل له الله من فوق سبع سماوات مجداً لا يبيد وأثراً لا يبليه الزمان.

 

خاتمةُ الملحمة: الأثرُ الخالد

 

تنتهي قصة المغزل في سطورها، لكنَّ أثرها في الواقع لا ينتهي ولن يزول؛ فهي تظل درساً بليغاً للأجيال في أن العظمة الحقيقية لا تُصنع بالأموال الضخمة ولا بالجاه الزائف، بل بـ طهارة المسعى وصدق النوايا في كل خطوة.

 

إن هؤلاء الأبناء السبعة الذين يتقلدون اليوم أعلى المناصب السيادية، ما هم في الحقيقة إلا خيوطٌ ذهبية أصيلة في ثوب الوفاء الذي نسجه الأب والأم بصمت.

 

ستبقى قريتهم الصعيدية تذكر هذا البيت وهذا النول كنموذجٍ للصمود الأسطوري، وسيبقى التاريخ يحفظ في أنصع صفحاته أن الوفاء الصامت هو أقوى صوتٍ في الوجود.

 

إنها ملحمةٌ بدأت بلقمةٍ حلال وسعي شريف من خلف نَوْلٍ خشبي متهالك، وانتهت بسيادةٍ تخدم الوطن وحجٍّ يطهر الروح ويثلج الصدر، لتظل سيرة الوالدين عطراً فواحاً يفوح في كل خطوة يخطوها أبناؤهم نحو المستقبل، شاهدين بوجودهم ومنصبهم على أن طيب الأثر هو وحده الذي يبقى خالداً حين يفنى كل شيء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock