
في كل مرة تشهد فيها مصر افتتاح محور جديد، أو تطوير ميناء، أو انطلاق مشروع نقل عملاق، يعود اسم كامل الوزير إلى واجهة الجدل العام؛ بين مؤيد يرى فيه أحد أبرز وزراء الحكومة تنفيذًا وحسمًا، ومعارض أو منتقد يعتبر أن ظهوره المتكرر وتصريحاته الحادة يفتحان بابًا دائمًا للهجوم.
لكن بعيدًا عن الضجيج، تبقى الأرقام والمشروعات شاهدة على واحدة من أكبر عمليات تطوير قطاع النقل في تاريخ الدولة المصرية الحديثة.
منذ توليه حقيبة النقل، دخل كامل الوزير إلى وزارة كانت تواجه تحديات هائلة؛ بنية تحتية متهالكة، حوادث متكررة، شبكات طرق تحتاج لإعادة بناء شاملة، ومرافق نقل لم تعد تتناسب مع حجم الدولة وطموحاتها الاقتصادية.
ومع الوقت، تحولت الوزارة إلى خلية عمل ضخمة تعمل في ملفات متشابكة تبدأ من الطرق والكباري ولا تنتهي عند الموانئ والقطارات ومترو الأنفاق والقطار الكهربائي السريع.
ثورة طرق غيرت خريطة الحركة
أحد أبرز الملفات التي ارتبطت باسم الوزير هو مشروع الطرق القومية، الذي ساهم في إنشاء وتطوير آلاف الكيلومترات من الطرق والمحاور الجديدة، ما انعكس على تقليل زمن الرحلات وربط المحافظات والمناطق الصناعية واللوجستية ببعضها البعض.
كما شهدت مصر طفرة واضحة في إنشاء الكباري والمحاور، خاصة داخل القاهرة الكبرى والمحافظات، وهو ما ساعد في تخفيف الاختناقات المرورية المزمنة التي كانت تكبد الاقتصاد خسائر ضخمة يوميًا.
ورغم أن المواطن قد لا يشعر أحيانًا بحجم العمل بسبب استمرار الكثافات أو زيادة أعداد السيارات، فإن المقارنة بين شكل شبكة الطرق قبل سنوات وما وصلت إليه الآن تكشف حجم التحول الكبير الذي حدث في وقت قياسي.
ربما كان ملف السكك الحديدية هو الاختبار الأصعب أمام الوزير، خاصة بعد سنوات طويلة من الإهمال والتراجع. لكن الوزارة بدأت خطة شاملة لتحديث الجرارات والعربات وتطوير المزلقانات والإشارات والمحطات، بالتوازي مع إنشاء مشروعات نقل حديثة مثل القطار الكهربائي والمونوريل والقطار السريع.
ورغم استمرار وقوع بعض الحوادث أو الأعطال، فإن كثيرًا من الخبراء يرون أن معالجة تراكمات عقود كاملة لا يمكن أن تتم بين ليلة وضحاها، خصوصًا مع شبكة تخدم ملايين المواطنين يوميًا.
لماذا يتعرض كامل الوزير للحملات؟
اللافت أن حجم الهجوم على الوزير غالبًا ما يتصاعد مع كل أزمة أو تصريح مثير للجدل، وهو أمر يرتبط بعدة عوامل.
أولها أن قطاع النقل من أكثر القطاعات التصاقًا بالحياة اليومية للمواطن؛ أي عطل أو حادث أو زيادة أسعار ينعكس فورًا على الشارع، وبالتالي يصبح الوزير في دائرة النقد المباشر.
ثانيًا، أن شخصية كامل الوزير نفسها تعتمد على الحضور القوي والتصريحات المباشرة، وهو ما يجعله دائمًا مادة خصبة للنقاش عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سواء بالمدح أو الانتقاد.
أما العامل الثالث، فهو أن المشروعات الكبرى التي تنفذها الدولة المصرية في البنية التحتية أصبحت تمثل محورًا دائمًا للصراع السياسي والإعلامي؛ فهناك من يرى أنها ضرورة لبناء دولة حديثة وجذب الاستثمارات، بينما يركز آخرون على التكلفة الاقتصادية أو الأولويات الاجتماعية.
لا يمكن تجاهل أن نجاح أي مشروع ضخم بهذا الحجم يخلق بطبيعة الحال حالة من الاستهداف السياسي أو الإعلامي، خاصة عندما يرتبط بشخصية تنفيذية تحظى بحضور جماهيري وإعلامي واضح.
النقد حق طبيعي، بل وضروري، خاصة في القطاعات الخدمية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.
لكن الفارق يبقى كبيرًا بين النقد الموضوعي الذي يناقش الأداء بالأرقام والوقائع، وبين حملات التشويه أو الانتقاص من أي إنجاز دون قراءة شاملة للمشهد.
فالواقع يؤكد أن مصر خلال السنوات الأخيرة دخلت مرحلة مختلفة في ملف البنية التحتية والنقل، وهي مشروعات لم تعد مجرد خدمات داخلية فقط، بل أصبحت جزءًا من رؤية اقتصادية أوسع لتحويل مصر إلى مركز لوجستي وتجاري إقليمي.
أرى أن الحكم على تجربة كامل الوزير يجب أن يكون من خلال النتائج على الأرض، لا عبر مقاطع مجتزأة أو حملات إلكترونية موسمية.
ان طبيعة الملفات التي يتعامل معها الوزير تجعل أي إنجاز يقابله ضغط هائل، لأن المواطن ينتظر نتائج فورية في قطاع يحتاج إلى سنوات من العمل والاستثمارات الضخمة.
وفي النهاية، تبقى الدول الحديثة تُقاس بقدرتها على بناء بنية تحتية قوية ومستدامة، وما يحدث في قطاع النقل المصري اليوم، رغم كل التحديات، يمثل خطوة كبيرة في هذا الاتجاه.



