
في مشهد سياسي وعسكري متجدد، تحولت مذكرة التفاهم التي كان يُنظر إليها كبارقة أمل لتهدئة الأوضاع بين الولايات المتحدة وإيران، إلى مجرد ورقة سرعان ما طواها واقع الحرب. فبعد أكثر من شهرين من المفاوضات الشاقة، التي تخللتها شد وجذب ووساطات إقليمية ودولية، تم الإعلان عن مذكرة تفاهم أشرفت عليها سلطنة عمان، لتُعاد الأمور إلى مربع الصراع الأول.
نص المذكرة والبداية المشروطة
جاءت مذكرة التفاهم لتحدد آليات تنظيم حركة الملاحة البحرية في المنطقة، حيث نص البند الخامس منها بوضوح على أن تنظيم حركة مرور السفن في المياه الخاضعة للاتفاق يقتصر على إيران وسلطنة عمان فقط، دون أي دور للولايات المتحدة أو قواتها البحرية في هذا الشأن. وهو ما مثل انتصاراً دبلوماسياً لإيران، التي سعت منذ البداية إلى تقليص الوجود العسكري الأمريكي المباشر في تنظيم الممرات المائية الحيوية.
وعلى أرض الواقع، بدأت إيران التنفيذ الفعلي للاتفاق، وشرعت في ترتيباتها البحرية وفق ما نصت عليه المذكرة. لكن سرعان ما تجاوزت الولايات المتحدة تلك البنود، برسمها خطوط مرور خاصة للسفن في المنطقة، وهو ما اعتبرته طهران خرقاً واضحاً للاتفاق.
التصعيد الإيراني والرد الأمريكي
لم تكن إيران لتقف مكتوفة الأيدي تجاه هذا الخرق، فتحرك الحرس الثوري الإيراني وفق سياسة “التحذير ثم التعامل”، وهو ما أغضب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي رأى في ذلك استفزازاً وانتهاكاً للاتفاقية، فأمر بالرد الفوري، معلناً في الوقت نفسه انتهاء مذكرة التفاهم.
وهكذا، عادت الحرب لتشتعل من جديد، لكن هذه المرة بوتيرة أشد وأسرع. فقد أعلنت واشنطن فرض حصار بحري على الساحل الإيراني والموانئ الرئيسية، مستهدفةً مراكز الاتصالات والسيطرة في مضيق هرمز، إضافة إلى نسف جسور تربط المحافظات الإيرانية بهدف إضعاف حركة الإمداد الداخلي وقطع الوصل بين المناطق.
الرد الإيراني: توسيع دائرة النار
في المقابل، لم تكتف إيران بالرد على الضربات الأمريكية من موقع دفاعي، بل وسعت دائرة استهدافها لتشمل المصالح الأمريكية في دول الخليج والأردن، وصولاً إلى قاعدة “النتف” السورية التي تُعد مركزاً للتعاون مع الجيش الأمريكي. وهو ما يحمل رسالة واضحة بأن طهران لن تسمح بتقسيم ساحات المواجهة، بل ستجعل المنطقة بأسرها مسرحاً للصراع.
سؤال الانتصار والتنصل
هنا يبرز السؤال: هل فازت إيران فعلاً ببنود مذكرة التفاهم، وعندما فطنت إدارة ترمب إلى ذلك سارعت إلى التنصل منها على لسان الرئيس نفسه، معلنةً أن طهران هي من خرق الاتفاق؟
الواقع أن قراءة المشهد تشير إلى أن إيران كانت الطرف الأكثر التزاماً بالنص الحرفي للمذكرة، في حين أن الإدارة الأمريكية بدت غير قادرة على تحمل تداعيات نجاح الدبلوماسية الإيرانية، خاصة فيما يتعلق بشرعية وجودها العسكري في تنظيم الملاحة البحرية. فجاء التنصل الأمريكي سريعاً، متذرعاً بانتهاكات إيرانية، لكن التطورات الميدانية تشير إلى أن من يملك قرار الحرب هو م
ن يملك قرار إلغاء السلام.



