دين ومجتمع

مراجعة النفس وتقويم الذات

بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

إنه ينبغي علي من أراد ان يذهب لحج بيت الله الحرام قبل أن يسافر أن يقوم بعملية مراجعة النفس وتقويم الذات، والإصلاح والتبيان، وهذه هى عبادة التوبة، وهي في ذاتها عملية تربية، تهدف إلى تطوير النفس وتغييرها إلى الأفضل والأقرب لله تعالى، والأكثر خيرية ونفعا للمجتمع والأمة، وتستهدف الإصلاح العام، وتحقق وفقا لذلك منظومة العبادة الإيجابية، فمواسم الخيرات تتعاقب على ذواتنا وأمتنا مرات عديدة، وربما شحذنا خلالها من هممنا وطاقاتنا في ممارسة العديد من العبادات الروحية والجسدية من صيام وصلوات، وذكر وصدقة مما هو مطلوب لذاته، وجميل في مجمله دون أن يكون لهذه العبادات الأثر المنشود في إصلاح النفس أو الرقي بالمجتمع والأمة، وكأننا عندما نقيم الصلاة نغفل عن قوله تعالى كما جاء فى سورة العنكبوت ” اتل ما أوحى إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون”

 

فالغاية دائما من العبادة هو تحقيق التقوى التي هي تهذيب للنفس وإصلاح للمجتمع كما في الحديث الشريف “رُبّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورُبّ قائم ليس له من قيامه إلا السهر” أو كما قال “من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه” فالعبادة في الإسلام هي منظومة إصلاحية، ومناسبات الخير وأيام البركة التي منها العشر من ذي الحجة هي بمثابة دورات تدريبية مكَثفة من أجل تطوير الذات، وإن الأصل في الأشياء هو الإباحة ما لم يرد نص بتحريمها وخاصة في وقت الحرج، ولاسيما أن الرسول صلي الله عليه وسلم وضع لنا قاعدة للتيسير في الحج وهي” افعل ولا حرج” لا حرج، لا حرج تيسيرا لا تعسيرا، فهو اليسر والسهولة ورفع المشقة سمة من سمات دين الإسلام، وتظهر صور ذلك بينة في الحج، افعل ولا حرج هي البعد الإنساني للحج والسمة الخاصة بالدين السمح.

 

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه عندما وقف النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، قال فما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال” افعل ولا حرج” متفق عليه، وكذلك الرخصة لذوي الأعذار كما أذن النبي صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته، والإذن للضعفة من النساء والصبيان بالإفاضة من مزدلفة ليلا ورمي جمرة العقبة قبل وقتها، وغير ذلك من شواهد التيسير والبعد عن التعسير على الحجاج، بل إن التخيير عند الأمر فيه من التيسير والتسهيل الشيء الكبير، فأنت مخير في حجك بين التمتع والقران والإفراد، ومخير بين الحلق والتقصير، ثم أنت مخير في التعجل أو التأخر نهاية الحج، ولا شك أن هذا درس عظيم لكل داعية ومربى ومعلم وكل مسلم في اتباع التيسير والتخفيف لا التعسير والعنت والمشقة على الآخرين.

 

عملا بقوله صلى الله عليه وسلم “يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا” فاللهم هيئ للأمة أمناء يحملون عبء نصرها، فتنصرهم ومسؤولية صلاحها فتعينهم، ولقد وقف رسول الله صلي الله عليه وسلم فى حجة الوداع بمنى، فجاءه رجل فقال لم أشعر حلقت قبل أن أذبح، فقال “اذبح ولا حرج” وجاءه آخر فقال “لم أشعر نحرت قبل أن أرمى” أي الجمرات، فقال” ارمى ولا حرج” فما سُئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر يومها إلا قال “افعل ولا حرج” فكان شعار عظيم يُعد مقصدا من مقاصد الشريعة، وغاية من غاياتها العظمى، ورمز لليسر والتيسير فى الإسلام إنه رمز للرفق بالناس وعدم التشديد عليهم فى عباداتهم وفتاواهم وأحوالهم، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الناس إيمانا لا يريد أن يشدد على الناس فى تقديم بعض المناسك أو تأخيرها، ويهتف بهتاف التيسير على رعيته “افعل ولا حرج”

 

ولو اتخذ كل داعية وقائد ومفتى ومربى من هذا القول الجامع شعارا له ودثارا لصلاح أمر المسلمين، فاختاروا الأيسر لأنفسكم وأسركم وأبنائكم وجماعاتكم ودولكم وشعبكم وأمتكم، فما خير رسول الله صلي الله عليه وسلم بين أمرين إلا إختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، تدبروا هذا الحديث العظيم الصحيح وتأملوا كلمة، إلا إختار أيسرهما كان يمكن أن يختار أشدهما أو أحوطهما أو أشقهما، ولكنه إختار أيسرهما، شريطة ألا يكون فيه إثم أو مخالفة للشريعة، ويقول صلي الله عليه وسلم “إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق” ويقول صلي الله عليه وسلم” إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock