
في كل مرة اقرأ قصة يوسف كما وردت في القرآن الكريم تتجلى واحدة من أعمق الدروس الإنسانية في الثبات على القيم رغم تقلبات الحياة حيث تتكرر عبارة واحدة في موضعين متناقضين إنا نراك من المحسنين
يوسف عليه السلام هو نبي ابن نبي إذ هو ابن نبي الله يعقوب ومن ذرية نبي الله إبراهيم إلا أن القصة القرآنية لا تبرز نسبه بقدر ما تبرز جوهر شخصيته الصبر والعفة والإحسان في كل حال
جاءت الشهادة الأولى في السجن حين كان مظلومًا بعيدًا عن أهله ووطنه لا يملك من أمره شيئًا ومع ذلك شهد له رفيقا السجن بحسن السلوك وصدق التعامل قائلين إنا نراك من المحسنين يوسف 36 كانت شهادة خرجت من واقع معايشة يومية كشفت أثر الإحسان في أصعب الظروف
ثم تأتي الشهادة الثانية بعد سنوات طويلة حين ارتقى يوسف عليه السلام إلى منصب عزيز مصر في موقع القوة والسلطة يقف إخوته أمامه أولئك الذين كانوا سببًا في محنته الأولى فيخاطبونه دون أن يدركوا حقيقته قائلين إنا نراك من المحسنين يوسف 78 وهنا تأتي الشهادة من خصوم الأمس وفي لحظة تمكين كامل
بين السجن والعرش بين الضعف والقوة تتجلى المفارقة الكبرى تغيرت الأحوال لكن لم تتغير الخصال فقد بقي الإحسان سمة ثابتة في شخصية يوسف عليه السلام لا تصنعها الظروف ولا تهدمها التحولات
واللافت في المشهدين أن مصدر الشهادة مختلف تمامًا مرة من رفقاء السجن الذين عاشوا معه في الضيق ومرة من إخوته الذين واجهوه في زمن القوة دون أن يعرفوا حقيقته ومع ذلك اتفق الجميع على وصف واحد وكأن الإحسان في شخصه كان واضحًا لا يحتاج إلى تفسير
رأيت من فهمي للتفسير إن هذه القصة لا تقدم سيرة نبي فحسب بل تقدم معيارًا إنسانيًا خالدًا أن قيمة الإنسان الحقيقية تظهر في ثباته لا في تغير موقعه وأن الأخلاق الصادقة تفرض حضورها في كل حال حتى على الخصوم
وهكذا تبقى قصة يوسف عليه السلام درسًا خالدًا في أن بعض النفوس لا تتبدل بتبدل المواقع وأن هناك من يمر في الحياة فيترك وراءه شهادة واحدة تتكرر عبر الزمن إنا نراك من المحسنين



