دين ومجتمع

الحرمان العاطفي للطفل ..كيفية تفاديه مع تطبيق القواعد

بقلم / محمـــد الدكـــروري 

 

إعلموا يا عباد الله أن من صور الرفق هو توفير الحنان للطفل بالضم والتقبيل، وكذلك ترك محاسبة الطفل لعدم تكليفه وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي، فبال على ثوبه، فدعا بماء فأتبعه إياه” رواه البخاري ومسلم، وعن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير، لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه ولم يغسله ” رواه البخاري ومسلم، وقال النووي فيه الندب إلى حُسن المعاشرة واللين والتواضع والرفق بالصغار وغيرهم” وقال ابن حجر ويستفاد منه الرفق بالأطفال، والصبر على ما يحدث منهم، وعدم مؤاخذتهم لعدم تكليفهم، وكما أن من صور الرفق هو مجاراة الطفل، والإصغاء لحديثه، والتفاعل معه فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كانت الأمَة من إماء المدينة.

 

لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت” رواه البخاري، ولفظ الإمام أحمد “إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ينزع يده من يدها، حتى تذهب به حيث شاءت” وقال ابن حجر والمقصود من الأخذ باليد هو لازمه، وهو الرفق والانقياد، وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع لذكره المرأة دون الرجل، والأمَة دون الحُرّة، وحيث عمم بلفظ الإماء، أي أمَة كانت، وبقوله حيث شاءت أي من الأمكنة، والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف، حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة، والتمست منه مساعدتها في تلك الحاجة، لساعد على ذلك، وهذا دال على مزيد تواضعه، وبراءته من جميع أنواع الكبر صلى الله عليه وسلم” وكما أن من صور الرفق هو الرفق بالطفل في مجازاته وتأديبه، فإن الأصل في الإسلام أن تكون معاملة الطفل بالرفق واللين.

 

لكن إذا دعت الضرورة إلى مجازاته وتأديبه، فلذلك وسائل متعددة، منها التوجيه، ولفت النظر، والإشارة، والتوبيخ، والهجر، والضرب الخفيف غير المبرح، فيتدرج المربي في هذه الوسائل، ولا ينتقل إلي الجزاء الأعلى إلا في حال عدم جدوى الأدنى، فالمربّي كالطبيب، ولقد أمرنا الإسلام بتربية الأولاد تربية صالحة ومن تلك التربية هو طريقة الثواب والعقاب للأولاد ويعد الضرب أعلى تلك العقوبات، ولا يجوز اللجوء إليه إلا بعد اليأس من كل وسيلة للتقويم، وله شروط تجعل استعماله محدودا وفي أضيق الظروف إذ ليس من الرفق اللجوء إلى الضرب كوسيلة أولى في التأديب، ومن فعل ذلك فقد عنّف وما أدّب، وأفسد وما أصلح، وربما عُدّ صنيعه هذا انتقاما وليس تربية وإصلاحا، وعن أم الفضل زوج العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم قالت رأيت كأن في بيتي عضوا من أعضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فجزعت من ذلك.

 

فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له؟ فقال “خيرا، تلد فاطمة غلاما فتكفلينه بلبن ابنك قثم” قالت فولدت حسنا فأعطيته فأرضعته حتى تحرك أو فطمته، ثم جئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلسته في حجره فبال، فضربت بين كتفيه، فقال “ارفقي بابني رحمك الله، أو أصلحك الله، أوجعت ابني” قالت قلت يا رسول الله اخلع إزارك والبس ثوبا غيره حتى أغسله، قال “إنما يغسل بول الجارية، وينضح بول الغلام” رواه أحمد، وكثيرا ما يظن الناس أن التربية تكون بالأمر والنهي والضرب والزجر، وهذا وإن كان صحيحا، إلا أنه ليس أنجح الوسائل ولا أوقعها في نفوس الناس عامة، والصغار خاصة، وقد درج الناس على حب من يحسنون إليهم ويعطفون عليهم، وأول المحسنين إلى الإنسان بعد الله تعالى هما والداه إذ هما مصدر العطف والحنان الأول، بل هما أصل الإحسان في الدنيا، كما قال شوقي في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

فإذا رحمت فأنت أم أو أب، هذان في الدنيا هما الرحماء، كما أن الإحسان يسترق الناس، ويجعلهم كالخاتم بأيدي المحسنين إليهم، وقد قالوا أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم، فإذا سلمنا بهذا، وعرفنا أن رأس المسئوليات وأعظمها بالنسبة للآباء هي تربية جيل صالح، يخدم هذه الأمة، وينتشلها من هوة الجهل والتخلف التي هوت فيها صار لزاما علينا التنبيه على شرف هذه المسئولية، وسبيل إحراز أجرها، غير أن الأهداف العظيمة تحتاج وسائل عظيمة، فعلى شرف المطلوب يكون شرف الطرائق والوسائل ولن نحيد عن الصواب إن قلنا إن تربية أبناء صالحين مصلحين هي أشرف وأعظم عبادة على الآباء القيام بها بعد تعليم أبنائهم أركان الإيمان والإسلام، كما عليهم بذل الغالي والنفيس في سبيلها، وإذا صلح الأبناء كانوا عونا للمسلم على طاعة ربه، بدل أن يعينوا عليه الشيطان.

 

ولا يتصور أن يكون الأولاد فتنة تصد العبد عن الطريق المستقيم إلى ربه إلا إذا كان هؤلاء الأولاد غير صالحين، ولم ينشؤوا تنشئة إسلامية صالحة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock