صحف وتقارير

مستقبل مدينة العبور الجديدة .. واعتبارات عدالة التنمية العمرانية

بقلم: المهندس حسام محرم 

 

 

تُعد العدالة التنموية بين المدن والمجتمعات العمرانية المختلفة أحد المعايير الأساسية لتقييم كفاءة التنمية في أي دولة معاصرة. وإذا طبقنا هذا المعيار على أنشطة التنمية الاقتصادية والعمرانية في مصر خلال العقود الأخيرة، فسنجد تفاوتات واضحة بين الأقاليم المختلفة، وهي الفجوات الجغرافية التي تحاول الدولة نسبياً تداركها مؤخراً من خلال الاهتمام بملفات تنمية المناطق المظلومة تاريخياً مثل العشوائيات، وشمال وجنوب الصعيد، ومناطق أخري متنوعة. ونتناول في هذا المقال مدينة “العبور الجديدة” الذي توجد به مناطق تعد بمثابة نموذج لهذا التفاوت التنموي الذي يتطلب تدخلاً حاسماً لإرساء مبادئ العدالة العمرانية.

 

نشأت “العبور الجديدة” على مساحة تقارب ٥٩ ألف فدان، وكانت جزءاً من مدينة العبور حتى صدور القرار الجمهوري باستحداثها كمدينة مستقلة عن العبور الأم التي نشأت بدورها في السبعينيات في إطار موجة المدن الجديدة آنذاك. وقد عانت مناطق مثل (الأمل، والقادسية، والكيلو ٤٨) في العبور الجديدة من الإهمال والبطء الشديد في التنمية وتسليم الأراضي، مما تسبب في أضرار جسيمة لملاك الأراضي الذين اشتروها منذ ما يقرب من عشرين عاماً دون أن ينالوا أي عوائد من أموالهم ومدخراتهم المستثمرة؛ فخلف كل قطعة أرض معطلة.. هناك قصة مدخرات معطلة بعد سنوات من الكفاح وربما الغربة، وُضعت في هذا المكان بدافع حلم مشروع في بناء مسكن. ومع طول فترات الانتظار وتأخر التقنين والترفيق، تحول هذا الحلم لدى الكثيرين إلى كابوس وقلق وحزن عميق من ضياع سنوات العمر، بل إن هناك من غادروا الحياة وحسرة الانتظار في قلوبهم دون أن يتم جبر خواطرهم برؤية حلمهم يتحول إلى واقع ملموس.

 

ويظهر هذا التفاوت بجلاء عند مقارنة مسار التنمية في مناطق بالعبور الجديدة بنظيراتها في “القاهرة الجديدة”؛ التي شهدت “قوة دفع تنموية واستثمارية هائلة” أدت إلى اكتمال عمرانها وارتفاع قيمتها الرأسمالية في فترات قياسية، بينما واجهت بعض مناطق العبور الجديدة فترات من التباطؤ الإداري والتأخر في دخول المرافق الأساسية وتسليم الأراضي، حتى صدرت مؤخراً تعليمات حديثة من وزيرة الإسكان الجديدة “م. راندا المنشاوي” بسرعة إنهاء ملفات تقنين وتسليم أراضي الملاك بحلول منتصف العام الجاري تقريباً، بعد أن كان الملف بلا سقف زمني محدد، وهي توجيهات منصفة نأمل أن تلتزم الأجهزة المعنية بتنفيذها بدقة.

 

إن فكرة معالجة الفجوات التنموية الجغرافية ليست بدعاً من الأمر، بل هي نهج عالمي تشترك فيه الدول المتقدمة؛ فعند إعادة توحيد ألمانيا في تسعينيات القرن الماضي، واجهت الدولة فجوة تنموية هائلة بين الشرق الشيوعي المنهك والغرب الديمقراطي المتقدم، ولم تترك الدولة هذا التفاوت لآليات السوق الحرة، بل تبنت رؤية سياسية واقتصادية صارمة عبر أطر تضامنية لإعادة البناء والتنمية في المناطق الشرقية المتأخرة حتى تتساوى تماماً مع نظيراتها في غرب ألمانيا، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن السلام المجتمعي لا يتحقق إلا بتذويب الفوارق الجغرافية لكي لا يشعر مواطن أنه سقط من حسابات الدولة.

 

ولإغلاق فجوة التفاوت العمراني (في العبور الجديدة كنموذج)، تتلخص الحلول الاستراتيجية والتنفيذية في خارطة طريق تشمل النقاط التالية:

١- وضع سقف زمني ملزم للتقنين والتسليم والترفيق للأراضي تحت إشراف مباشر من القيادات العليا في الوزارة والدولة، لإنهاء حالة الترقب لدى الملاك ووضع حد حاسم لتلك الملفات وتعويض جزئي لملاك الأراضي المتضررين من الانتظار لعشرين عام تقريبا ووتعويضهم عن الانتقاص من مساحة أراضيهم بإعفائهم من رسوم التقنين (إن وجدت) ورسوم الترخيص المستقبلية في إطار مباديء العدالة العمرانية والتنموية، أما من تم تحصيل رسوم تقنين سابقا منهم بالفعل … فيمكن إجراء مقاصة وخصم ما تم تحصيلها من اي مستحقات مستقبلية للدولة (تراخيص، مرافق، كهرباء، غاز، غرامات، تصالحات، استهلاكات مستقبلية …. إلخ).

 

٢- توصيل سريع للمرافق إلي مدينة العبور الجديدة وخاصة المناطق المظلومة تاريخيا في المدينة (مثل القادسية والكيلو ٤٨ والامل) بسرعة مد “شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والغاز والطرق والمدارس ووسائل النقل … الخ” بالتوازي مع إجراءات التقنين الإداري، حيث أن رؤية المعدات والمرافق على الأرض تعيد الثقة للمستثمرين والملاك، مما يخلق إقبالا عمرانيا كبيرا كتعويض جزئي عن تلك المظالم المتراكمة.

 

٣- تحفيز المطورين العقاريين والمقاولين بحزم تشجيعية منح تسهيلات وإعفاءات (إدارية وتمويلية وضريبية) للمطورين الذين يبدأون البناء الفوري في هذه المناطق، لسرعة خلق “مجتمعات نابضة بالحياة” تجذب السكان وتخفف الضغط الكثيف عن المدن المجاورة وتعوض المتضررين جزئيا عن الظلم الذي لحق بهم جراء الانتظار حتي الموت لمدة تزيد عن عشرين عاما في بعض الحالات.

 

٤- تفعيل الميزة الجغرافية للمدينة من خلال استغلال الموقع العبقري للعبور الجديدة المحصورة بين طريق الإسماعيلية الصحراوي وطريق بلبيس والمحور الإقليمي وشبكة القطار الكهربائي الخفيف (LRT)، وتحويل هذه المحاور القومية إلى شرايين تغذي المدينة بالخدمات والمراكز التجارية والمناطق الصناعية الصديقة للبيئة، لتنتقل المدينة من دور “الظهير السكني” إلى دور “القطب الاقتصادي المستقل”.

 

٥- إشراك النيابة العامة في حماية حقوق الملاك من خلال إحالة قضايا النصب والتزوير في العبور الجديدة إلي النائب العام لتحقيق الردع العام حيث أن المدينة خلال العشرين عاما الماضية (خلال فترة الركود بالمدينة) شهدت انتعاش لأعمال النصب وتعدد البيوع والاستيلاء علي أراضي الغير وغيرها من المخالفات وهو ما يستلزم من وزارة الإسكان بالتعاون مع النيابة العامة وأجهزة وزارة الداخلية والرقابة بالأقمار الصناعية من أجل حماية حقوق الملاك والتصدي الصارم للفاسدين واللصوص الذين مارسوا النصب وتعدد البيوع..

 

إن معالجة التأخر التاريخي في تعمير العبور الجديدة كمدينة من مدن الجيل الرابع، وتقنين أوضاع أراضيها (وبالأخص مناطق الأمل والقادسية والكيلو ٤٨) لم يعد مجرد إجراء إداري، بل هو “واجب تنموي وعدالة تنموية وعمرانية مستحقة” لرد الحقوق المعطلة لأصحابها وتعويضهم جزئيا عما تعرضوا له من إجحاف حتي القهر والموت صونا لثقتهم في أجهزة الدولة.

 

ويظل هذا الملف أكبر من أن نتناوله في مقال واحد، بل يحتاج إلى دعم إعلامي مستمر وتسليط للضوء من كل مخلص ومهتم بملف العمران، لتشمل مبادئ العدالة التنموية المنشودة هذه المدينة الواعدة وكافة المجتمعات التي تتطلع نحو مستقبل عمراني عادل ومستدام.

 

**سياسي ونقابي مصري والمستشار الأسبق لوزير البيئة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock