
في قلب الصراع الممتد على مدينة القدس، تبرز معركة لا تقل أهمية عن المعارك السياسية والعسكرية، إنها معركة الهوية والوجود والمعتقد. فمدينة القدس، التي تمثل قبلة الأولين والآخرين ومهد الديانات التوحيدية الثلاث، تشهد يومياً انتهاكاتٍ صغيرة وكبيرة بحق المواطنين الفلسطينيين من المسلمين والمسيحيين، كان آخرها التضييق على رفع الأذان، ذلك النداء الذي هزّ سماء القدس لقرون طويلة.
هذه المعركة ليست جديدة؛ بل هي امتداد لسياسة ممنهجة تهدف إلى تهويد المدينة وطمس هويتها العربية والإسلامية والمسيحية، في صمت دولي مطبق يفضح التناقض بين الشعارات البراقة عن الحرية وحقوق الإنسان، وبين ما يحدث على أرض الواقع.
القدس: مدينة الأديان تحت الاحتلال
منذ احتلال مدينة القدس عام 1948 ثم إعادة تقسيمها عام 1967، تعاني المدينة المقدسة من سياسات عنصرية تهدف إلى تغيير ديموغرافيتها وهويتها. فالقوانين والإجراءات التي فُرضت على المدينة لم تكن فقط سياسية، بل طالت المقدسات والشعائر الدينية للمواطنين الفلسطينيين، سواء كانوا مسلمين أم مسيحيين.
إن المواطن الفلسطيني في القدس يعيش واقعاً مريراً، حيث تُسلب منه حريته في ممارسة شعائره الدينية كما يشاء. فالمساجد تُغلق وتُقتحم، والكنائس تُضيق عليها، والأذان يُمنع، وكأن الاحتلال يريد أن يفرغ المدينة من روحها.
انتهاك حرية العبادة: بين المسلمين والمسيحيين
إن التضييق على الحريات الدينية في القدس ليس مقصوراً على فئة دون أخرى، بل هو سياسة واضحة تستهدف كل فلسطيني، مسلماً كان أم مسيحياً. فالمسلمون يواجهون قيوداً مشددة على دخول المسجد الأقصى، خاصةً فئات عمرية معينة، ويُمنعون من الصلاة فيه بحرية، بينما تُقام الحواجز العسكرية على أبوابه.
أما المسيحيون، فقد عانوا عبر تاريخ الصراع من سياسات تمييزية، خاصةً في فترات سابقة، حيث تم منع بناء الكنائس وتقييد حرياتهم الدينية، وإجبارهم على تعطيل أعمالهم أيام الجمعة بدلاً من الأحد . صحيح أن الأمور تبدو أفضل اليوم نسبياً، إلا أن روح التضييق لا تزال قائمة، خاصةً مع صعود التيارات المتطرفة التي تهدد المقدسات المسيحية وتعتدي على رجال الدين.
الأمر الأكثر إيلاماً هو أن هذه المعاناة تجمع الفلسطينيين معاً؛ ففي الماضي، منعت السلطات الأردنية المواطنين المسلمين الإسرائيليين من الوصول إلى المساجد في القدس ، وهو ما يعكس كيف أن السياسة غالباً ما تتفوق على الدين، وأن المواطن العادي هو الضحية الأبدية لهذه الصراعات.
انتهاك حقوق الإنسان والقوانين الدولية
القوانين الدولية، وخاصة قرارات الأمم المتحدة، شددت على ضرورة حماية الأماكن المقدسة وضمان حرية الوصول إليها . كما أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يكفل حرية الدين والمعتقد. لكن ما يحدث في القدس يمثل انتهاكاً صارخاً لهذه القوانين.
فالاحتلال يُخضع الفلسطينيين في القدس لقوانين عسكرية استثنائية، تحرمهم من أبسط حقوقهم كإغلاق منازلهم وهدمها، وسحب هوياتهم المقدسية، ومنعهم من لم شمل أسرهم. هذه ليست سياسة أمنية فحسب، بل هي محاولة ممنهجة لدفعهم إلى الهجرة، والتخلص منهم، لتكون القدس “مدينة يهودية خالصة”.
صمت المجتمع الدولي والنفاق الغربي
أمام هذا الواقع المرير، يقف المجتمع الدولي عاجزاً أو متواطئاً، مكتفياً بإصدار بيانات الاستنكار والبيانات التي لا تجدي نفعاً.
إن الصمت الدولي على انتهاكات الاحتلال في القدس هو بمثابة ضوء أخضر لاستمرار هذه الانتهاكات.
والأكثر إيلاماً من الصمت هو النفاق؛ فبينما تفرض الدول الغربية قوانين صارمة لحماية حقوق الأقليات والمقدسات على أراضيها، فإنها تتغاضى عن انتهاك نفس الحقوق في فلسطين.
إنهم يصفعون الفلسطيني بحرية الرأي والتعبير عندما يتعلق الأمر بتصدر واجهات كنائسهم ومساجدهم، لكنهم يصمتون عندما يتم الاعتداء على أذان الفجر في القدس.
تُفرض الديمقراطية وحقوق الإنسان بالقوة على الدول الضعيفة، بينما تُعطى إسرائيل “شيكاً على بياض” لفعل ما تشاء.
هذا هو التناقض الصارخ الذي يعيشه العالم اليوم: ديمقراطية وحقوق إنسان تُطبق بشكل انتقائي، تصب في مصالح القوى الكبرى، وتُسقط عندما تتعارض مع تلك المصالح.
فالمواطن الفلسطيني المسيحي والمسلم يتعرض للقهر ذاته، تحت ذريعة “الأمن” و”الإرهاب”.



