
فى خطوة تحمل دلالات إنسانية وسياسية بالغة الأهمية، شهد معبر رفح اليوم فتحًا تجريبيًا تمهيدًا لإعادة تشغيله الكامل من الجانبين، فى مشهد يؤكد مجددًا أن مصر كانت وستظل حجر الزاوية فى أى تحرك جاد يهدف إلى تخفيف معاناة الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة، وقطع الطريق على محاولات فرض الأمر الواقع أو الالتفاف على الحقوق المشروعة للفلسطينيين.
الفتح التجريبى للمعبر لا يمكن قراءته بمعزل عن الدور المصرى الممتد منذ اندلاع الأزمة، حيث تعاملت القاهرة بحنكة سياسية وأمنية مع ما يمكن وصفه بـ«اللاعيب الإسرائيلية» الهادفة إلى التهرب من فتح المعبر بشكل منظم ودائم، عبر ربطه بشروط أمنية أو إدارية تخدم أهدافًا سياسية، أو استخدامه كورقة ضغط فى سياق الصراع.
منذ اللحظة الأولى، وضعت مصر خطوطًا حمراء واضحة، فى مقدمتها رفض أى سيناريو يؤدى إلى تهجير الفلسطينيين خارج أراضيهم، خاصة نحو الأراضى المصرية. هذا الموقف لم يكن شعارًا سياسيًا، بل تُرجم إلى تحركات عملية وضغوط دبلوماسية، وإدارة دقيقة للمعبر، بما يضمن استمرار تدفق المساعدات الإنسانية دون السماح بتمرير مخططات تستهدف تصفية القضية الفلسطينية.
القاهرة أدارت ملف معبر رفح باعتباره شريان حياة إنسانيًا لا ورقة مساومة، وهو ما أفشل محاولات تعطيله أو استخدامه كأداة ابتزاز، وفرض واقعًا جديدًا يُجبر الأطراف كافة على التعامل مع الثوابت المصرية.
أحد أخطر أهداف التصعيد الأخير كان الدفع نحو تهجير الفلسطينيين قسرًا، مستغلين تدهور الأوضاع الإنسانية.
وهنا لعبت مصر دور الحائط الصلب الذى اصطدمت به تلك المخططات، عبر تأكيدها أن الحل يكمن فى وقف العدوان، وإدخال المساعدات، وإعادة إعمار القطاع، لا فى تفريغه من سكانه.
فتح المعبر تجريبيًا اليوم يُعد رسالة سياسية بقدر ما هو خطوة إنسانية: رسالة مفادها أن إدارة الأزمة ممكنة دون تهجير، وأن الحفاظ على الأرض والإنسان هو جوهر أى تسوية عادلة.
فى موازاة الجهود الإنسانية، برز الدور المصرى فى الدفع نحو تشكيل هيئة لإدارة قطاع غزة، كحل واقعى ومؤقت يضمن تسيير شؤون الحياة اليومية، بعيدًا عن الفوضى أو الفراغ الإدارى. هذه الرؤية تعكس فهمًا عميقًا لتعقيدات المشهد، وسعيًا لمنع استغلال الأوضاع الإنسانية لفرض ترتيبات سياسية قسرية.
فتح معبر رفح بشكل تجريبى اليوم ليس مجرد إجراء فنى، بل محطة كاشفة لدور مصرى متكامل: ضغط سياسى، إدارة إنسانية، ورفض قاطع للمساس بالثوابت. وفى وقت تتبدل فيه المواقف وتتصاعد فيه المناورات، يظل الموقف المصرى ثابتًا: لا تهجير، لا التفاف على الحقوق الفلسطينية، ومعبر مفتوح للحياة… لا للابتزاز.



