مقالات وآراء

23 يوليو..حين غيّرت الإرادةُ الوطنية مسار التاريخ

بقلم -طارق السعدني

لم تكن ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 مجرد حدث سياسي عابر، بل كانت نقطة تحول فارقة في تاريخ الدولة المصرية،

نقلت الوطن من مرحلة إلى أخرى وأعادت صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، ورسخت مفهوم الإرادة الوطنية القادرة على صناعة التغيير عندما تتوافر لها العزيمة والرؤية.

ففي فجر الثالث والعشرين من يوليو تحرك الضباط الأحرار استجابة لواقعٍ كان يئن تحت وطأة الاحتلال البريطاني وانتشار الفساد، واتساع الفجوة الاجتماعية وضعف المؤسسات،

لتبدأ صفحة جديدة من تاريخ مصر الحديث، حملت معها طموحات شعب كان يتطلع إلى الحرية والعدالة والكرامة الوطنية.

وقد ارتكزت الثورة على مبادئها الستة الشهيرة التي تمثلت في القضاء على الاستعمار وأعوانه والقضاء على الإقطاع والقضاء على سيطرة رأس المال على الحكم وإقامة جيش وطني قوي وإقامة حياة ديمقراطية سليمة وتحقيق العدالة الاجتماعية.

وهي مبادئ شكّلت آنذاك خارطة طريق لبناء دولة حديثة تستند إلى السيادة الوطنية والتنمية والاستقلال.

وعلى الصعيد الداخلي أحدثت الثورة تغيرات عميقة في بنية المجتمع المصري فأُقرت قوانين الإصلاح الزراعي واتسعت فرص التعلي وتطورت منظومة الرعاية الصحية،

وشهدت البلاد نهضة صناعية ومشروعات قومية كبرى كان في مقدمتها بناء السد العالي الذي مثل رمزا للإرادة المصرية في تحقيق التنمية المستقلة.

أما خارجيا فقد أصبحت مصر بعد الثورة لاعبا مؤثرا في محيطها العربي والإفريقي والدولي وبرز دورها في دعم حركات التحرر الوطني والمساهمة في تأسيس حركة عدم الانحياز،

لترسخ مكانتها كدولة صاحبة رسالة ورؤية تتجاوز حدودها الجغرافية.

ورغم اختلاف الرؤى التاريخية حول بعض السياسات والقرارات التي أعقبت الثورة، فإن الإنصاف يقتضي النظر إليها في سياقها الزمني وظروفها الإقليمية والدولية بعيدا عن الأحكام المطلقة.

فالثورات بطبيعتها تخضع للتقييم والنقد لكن قيمتها الحقيقية تكمن في الأثر الذي تتركه في وجدان الشعوب ومسيرة الأوطان.

واليوم وبعد أكثر من سبعة عقود لا تزال ثورة 23 يوليو تمثل محطة تاريخية تستدعي التأمل ليس من باب الحنين إلى الماضي، وإنما لاستلهام الدروس والعبر. فالأمم التي تحفظ تاريخها وتقرأ تجاربها بوعي تكون أكثر قدرة على بناء مستقبلها بثقة ومسؤولية.

إن الاحتفال بذكرى الثالث والعشرين من يوليو هو احتفاء بالإرادة الوطنية وبكل من آمن بأن الوطن يستحق التضحية والعمل والإخلاص.

كما أنها مناسبة لتجديد العهد على مواصلة مسيرة البناء والتنمية والحفاظ على مؤسسات الدولة وتعزيز قيم الانتماء،

وترسيخ ثقافة العمل والإنتاج باعتبارها الطريق الأمثل لصناعة المستقبل.

لقد أثبتت مصر عبر تاريخها أنها قادرة على تجاوز التحديات وصناعة الإنجازات، وأن قوة هذا الوطن كانت وستظل في تماسك شعبه ووحدة صفه وإيمانه بأن الأوطان لا تبنى بالشعارات وحدها، وإنما تبنى بالإرادة الصادقة والعمل الجاد واحترام التاريخ واستشراف المستقبل.

وهكذا ستبقى ثورة الثالث والعشرين من يوليو علامة مضيئة في سجل التاريخ المصري، وواحدة من أهم المحطات التي أعادت رسم ملامح الدولة الحديثة لتظل ذكراها مصدر فخرٍ واعتزاز ودعوة دائمة إلى أن يكون الوطن فوق كل اعتبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock