عربي وعالمي

إحياء الذكرى الحادية والثلاثين للإبادة الجماعية في سربرينيتسا فى مبنى الامم المتحده بفيينا  

هالة مغاوري

شهد مقر الأمم المتحدة في فيينا، اليوم، فعالية دولية لإحياء الذكرى الحادية والثلاثين للإبادة الجماعية في سربرينيتسا، بمشاركة دبلوماسيين وممثلي منظمات دولية وخبراء في القانون الدولي وحقوق الإنسان وأكاديميين وناجين من الإبادة الجماعية، في رسالة أكدت أن حفظ الذاكرة لم يعد واجبًا وطنيًا يخص البوسنة والهرسك وحدها، بل مسؤولية دولية مشتركة.

وجاءت الفعالية في ظل الاعتراف الدولي المتزايد بأهمية إحياء ذكرى ضحايا سربرينيتسا، خاصة بعد اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة في مايو 2024 قرارًا يقضي بإعلان 11 يوليو يومًا دوليًا للتأمل وإحياء ذكرى الإبادة الجماعية في سربرينيتسا عام 1995، تأكيدًا على أن حماية الحقيقة تمثل أحد أهم أدوات الوقاية من تكرار جرائم الإبادة الجماعية.

استهل الفعالية عاصم دوروفيتش (Asim Dorović)، الوزير المفوض ونائب الممثل الدائم للبوسنة والهرسك لدى المنظمات الدولية في فيينا، بكلمة حملت رسائل سياسية وإنسانية عميقة، أكد خلالها أن إحياء ذكرى سربرينيتسا ليس مناسبة بروتوكولية أو طقسًا سنويًا، بل التزام أخلاقي بحماية الحقيقة، وتكريم الضحايا، وضمان أن تدرك الأجيال القادمة ما حدث ولماذا حدث، حتى لا تتكرر مثل هذه الجرائم.

وقال إن المجتمع الدولي لا يجتمع اليوم فقط لاستذكار أكثر من 8372 رجلًا وفتىً قُتلوا بصورة ممنهجة في يوليو 1995، بل أيضًا لاستحضار معاناة آلاف الأمهات والآباء والأرامل والأطفال الذين ما زالوا يحملون آثار تلك الجريمة بعد أكثر من ثلاثة عقود.

ورأى دوروفيتش أن سربرينيتسا ستظل واحدة من أكثر الصفحات ظلامًا في التاريخ الأوروبي الحديث، ليس فقط لأنها أكبر مذبحة شهدتها أوروبا منذ الهولوكوست، وإنما لأنها كشفت أيضًا عن فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين الذين كانوا تحت حماية الأمم المتحدة، وهو ما يفرض مسؤولية مستمرة لمنع تكرار مثل هذه الإخفاقات.

وأكد أن وصف ما جرى في سربرينيتسا لم يعد قضية خلاف سياسي أو تاريخي، بعدما حسمته محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، اللتان أقرتا بأن ما وقع عام 1995 يرقى إلى جريمة إبادة جماعية.

وأضاف أن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني إدانة شعب بأكمله، موضحًا أن “الذنب مسؤولية فردية، أما المسؤولية تجاه التاريخ فهي مسؤولية مشتركة”، داعيًا إلى رفض الكراهية، ومقاومة الانقسام، والوقوف إلى جانب الضحايا والناجين.

وفي رسالة حملت أبعادًا سياسية واضحة، أشاد دوروفيتش بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص بإحياء ذكرى سربرينيتسا، معتبرًا أنه يؤكد أن ذكرى الضحايا أصبحت جزءًا من الضمير الإنساني العالمي، وليست قضية تخص البوسنة والهرسك وحدها.

ولم تقتصر كلمة دوروفيتش على استذكار الماضي، بل ركزت بصورة لافتة على المخاطر الراهنة، محذرًا من تصاعد محاولات تشويه الوقائع التاريخية وإنكار الإبادة الجماعية، مؤكدًا أن التضليل لا يمحو الحقيقة، بل يعيد فتح الجراح ويقوض فرص السلام ويغذي الانقسام بين المجتمعات.

واستشهد بعبارة البروفيسور حمداولوفيتش التي لخصت جوهر هذه القضية بقوله: “إن إنكار الإبادة الجماعية هو استمرار للعنف بوسائل أخرى.”

وانطلاقًا من هذا المفهوم، دعا إلى دعم التعليم القائم على الأدلة، والحفاظ على وثائق المحاكم الدولية، والأرشيفات، وشهادات الناجين، باعتبارها الركائز الأساسية لحماية الحقيقة التاريخية، مؤكدًا أن مواجهة الماضي ليست دعوة للانقسام، وإنما خطوة ضرورية لبناء مستقبل يسوده السلام.

ومن جانبه، قدم أزير رستانوفيتش، أمين متحف المركز التذكاري في سربرينيتسا – بوتوتشاري، عرضًا مؤثرًا حول جهود المركز في توثيق الإبادة الجماعية من خلال جمع المقتنيات الشخصية للضحايا والناجين.

وأوضح أن أحد أبرز معارض المركز يركز على “الخطوات” التي تركها الضحايا، حيث تشكل الأحذية المعروضة شاهدًا إنسانيًا على وجود أشخاص كانت لهم حياة وأحلام قبل أن تُسلب منهم في واحدة من أبشع الجرائم الجماعية في أوروبا الحديثة.

كما تحدث عن تجربته الشخصية، مشيرًا إلى أن والده نجا بعد أشهر قضاها مختبئًا في الغابات والكهوف، وهو ما جعله يعتبر الحفاظ على ذاكرة الضحايا رسالة شخصية قبل أن تكون مسؤولية مهنية.

ومن أكثر لحظات الفعالية تأثيرًا، شهادة أحد الناجين الذي استعاد تفاصيل الأيام الأخيرة قبل وقوع المجزرة، عندما كان في الثالثة عشرة من عمره.

وروى كيف وصل مع والدته وشقيقته وشقيقه الأصغر إلى بوتوتشاري، بينما اضطر والده وشقيقه الأكبر إلى الهروب عبر الغابات، قبل أن يُمنع مع آلاف المدنيين من دخول قاعدة قوات الأمم المتحدة، ليجد نفسه طفلًا يقف على الحد الفاصل بين الحياة والموت.

وأكد أن رسالته اليوم تتمثل في نقل الحقيقة إلى الأجيال الجديدة، لأن أفضل وسيلة لمنع تكرار الإبادة الجماعية هي أن يعرف العالم ما حدث بالفعل.

وشغل التعليم محورًا رئيسيًا في النقاش، حيث أكد المتحدثون أن المدارس تتحمل مسؤولية أساسية في بناء التفكير النقدي لدى الطلاب، وتدريس التاريخ استنادًا إلى الحقائق والأدلة القضائية، بعيدًا عن الروايات المتناقضة أو التوظيف السياسي.

وأشار المشاركون إلى أن غياب منهج موحد لتدريس أحداث الحرب داخل البوسنة والهرسك يساهم في استمرار الانقسام، مؤكدين أن التربية على احترام الآخر، وقبول التنوع، ونبذ الانتقام، تمثل الطريق الحقيقي لبناء السلام.

وفي ختام الجلسة، ناقش المشاركون مستقبل المصالحة في منطقة البلقان، مؤكدين أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق دون شجاعة سياسية واعتراف صريح بالحقائق التاريخية.

واستشهد أحد المتحدثين بتجربة المستشار الألماني الراحل ويلى برانت ، معتبرًا أن منطقة البلقان تحتاج إلى خطوات مماثلة تقوم على الاعتراف والمسؤولية التاريخية، بما يمهد الطريق لمصالحة حقيقية بين شعوب المنطقة.

واختُتمت الفعالية برسالة جامعة مفادها أن شعار “لن يتكرر ذلك أبدًا” لا ينبغي أن يبقى مجرد عبارة تُردد في المناسبات، بل يجب أن يتحول إلى التزام عملي يقوم على حماية الحقيقة، وصون الذاكرة، وتعزيز العدالة، ومواجهة كل أشكال إنكار الإبادة الجماعية، حتى لا تتكرر مأساة سربرينيتسا في أي مكان من العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock