
ما قيمة المواساة إذا خرج منها إنسان يحمل مرضا بدلا من أن يحمل دعوة صادقة للميت
ظاهرة بدأت بحسن نية ثم تحولت إلى سلوك بالغ الخطورة حتى صار من الواجب الحديث عنها بصراحة
في كل سرادق عزاء تقريبا تجد من يطوف على الحاضرين بزجاجات المياه في مشهد يعكس الكرم وحسن الضيافة خاصة في أيام الحر الشديد وهذا سلوك يستحق الثناء ما دام يحافظ على صحة الناس وكرامتهم
لكن ما يحدث بعد ذلك هو موضع الخطر
تجمع الزجاجات الفارغة بعناية ثم تعاد تعبئتها بالماء وتقدم مرة أخرى إلى المعزين وكأنها زجاجات جديدة
المؤلم أن معظم الناس يشربون دون أن يتوقفوا لحظة ليتأملوا الزجاجة ودون أن ينتبهوا إلى أن غلاف الأمان قد اختفى وأن الغطاء لم يعد يحمل دليلا على أنها لم تفتح من قبل
لا أحد يسأل من شرب منها قبل دقائق
ولا أحد يعرف إن كانت قد خضعت لأي وسيلة تعقيم حقيقية
ولا أحد يضمن أن فم مريض لم يلامسها قبل أن تصل إلى فم شخص آخر
هنا تتحول قطرة الماء من نعمة إلى خطر ومن وسيلة للارتواء إلى طريق مفتوح لانتقال العدوى
إن الفيروسات والبكتيريا لا ترى بالعين المجردة لكنها تنتقل في صمت وقد يكون ثمن هذا الإهمال إصابة إنسان بريء جاء يؤدي واجب العزاء فعاد إلى بيته يحمل مرضا لم يكن يتوقعه
إلى أصحاب المآتم نقول إن إكرام الضيف لا يكون بتعريضه للخطر وإن حسن النية لا يكفي عندما يتعلق الأمر بصحة الناس
إذا أردتم تقديم الماء فليكن في زجاجات جديدة لم يسبق فتحها أو استخدامها فتكلفة الزجاجة الجديدة أقل كثيرا من تكلفة علاج مريض أو فقدان إنسان بسبب عدوى كان يمكن منعها
المجتمعات لا ترتقي بكثرة الكلمات ولا بالمظاهر وإنما ترتقي حين يتحول الوعي إلى سلوك وحين تصبح سلامة الإنسان فوق كل اعتبار
وللحديث بقية
ففي مقال قادم نتناول ظاهرة أخرى لا تقل إساءة حين يتحول سرادق العزاء عند بعض الناس إلى مجلس للسمر والضحك وتبادل الأحاديث وكأنه مقهى لا بيت عزاء
فللموت هيبته وللعزاء حرمته وللإنسان حق في أن يحاط بالاحترام حيا وميتا



