الوعي بالهوية في مرآة الذاكرة: الأديب عبد الله مهدي حارساً للتراث ومجدداً للوعي الحضاري
كتبت /منى منصور السيد

تتجلى قيمة الأدب الحقيقية حينما يلتصق بهوية الأمة وتاريخها، مدافعة عن إرثها الإنساني الخالد. وفي هذا السياق، يأتي الدور الريادي الذي يلعبه الكاتب والأديب عبد الله مهدي، من خلال مقالاته السردية التوثيقية الصادرة عن لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، ليؤكد أن عين الأديب لا ترى في الآثار مجرد حجارة صامتة، بل تقرأ فيها سطوراً نابضة بعبقرية الإنسان المصري وتجلياته عبر العصور. لقد نجح الكاتب في ثلاثيته السردية التي احتفت بمرور مائة وعشرين عاماً على افتتاح المتحف المصري بالتحرير، في صياغة وثيقة ثقافية تمزج بين دقة المؤرخ وشغف المبدع؛ فلم يكتفِ برصد التواريخ الجامدة، بل أحيا مسيرة النضال الوطني والوعي الأثري منذ بدايات القرن التاسع عشر.
إن الدور الذي يضطلع به الكاتب والأديب عبد الله مهدي في هذه الثلاثية يتجاوز مجرد سرد المحطات التاريخية؛ إنه يمثل نموذجاً حياً لأدب الهوية والوعي، حيث تتحول الكلمة من أداة جمالية مجردة إلى درع ثقافي يحمي الذاكرة الوطنية ويسهم في تشكيل الوعي الجمعي تجاه واحدة من أعظم الحضارات الإنسانية. ولم يكن هذا المنظور الحضاري ليتجسد لولا تلك العبارات والمقاطع المحددة من صلب حلقاته الثلاث، حيث تلاحمت بلاغة اللفظ مع دقة التوثيق. ويمكننا تتبع دوره الريادي من خلال تحليل شواهد حية من نص الحلقات؛ حيث تبدى هذا الدور أولاً في الانتقال بالخطاب الأثري من النخبوية إلى العامة، مبرزاً قدرة فائقة على تفكيك المادة التاريخية والأثرية الجافة وتحويلها إلى مادة أدبية شيقة وسلسة تناسب القارئ غير المتخصص دون الإخلال بالقيمة العلمية. فبدلاً من لغة الأرقام الصارمة، استخدم لغة سردية نابضة بالحياة، تربط بين الماضي والحاضر، مستدعياً مقولة عالم الآثار الشهير ماسبيرو عندما سُئل عن تكدس الآثار، ليصيغ الأديب من خلالها خلاصة فلسفية عميقة تظهر كيف أن «المتحف المصرى صورة للمقبرة أو المعبد الفرعونى، فقد كان الفنان المصرى القديم يستغل كل جزء فيه لوضع لوحة مرسومة أو نقوش هيروغليفية بل إن المنزل المصرى الحديث فى ذلك الوقت كان يتم فيه وضع لوحات وصور بحيث يستغل كل جزء على الحائط، أى أن المتحف المصرى صورة للمصرى الحالى والقديم». هذا الاستدعاء الذكي يعكس ذروة دور الأديب في تأصيل الوعي؛ فهو لا يرى المتحف مخزناً للماضي، بل امتداداً جينياً وسلوكياً للمواطن المصري الحالي، مما يعمق من شعور القارئ بالانتماء والارتباط الروحي بهذه الحضارة.
وينتبرز دور الأديب ثانياً في إعادة الاعتبار لتاريخ النضال التشريعي والمتحفي، حيث لم يركز الكاتب على جماليات القطع الأثرية فحسب، بل ركّز بعمق على معركة الوعي والسيادة التي خاضتها مصر لحماية تراثها ضد النهب وسرقة الهوية ومحاولات الاسترداد والتقنين. ويتضح هذا الدور التوثيقي المتميز في رصده المبكر لـ مدى إعجاب القناصلة الأجانب المعتمدون فى مصر بجمع الٱثار المصرية وإرسالها إلى بلادهم وراجت تجارة الٱثار المنهوبة من مصر إبان القرن التاسع عشر، مسلطاً الضوء في المقابل على تأصيل الوعي الرسمي ومحاولات التقنين الأولى حين أصدر محمد على مرسوما فى ١٥ أغسطس ١٨٣٥ م بمنع التهريب والإتجار فى الٱثار المصرية وأهمية الحفاظ عليها، ومستعرضاً دور رفاعة الطهطاوي وقرارات الخواجا مارييت والخديوي عباس والخديوي سعيد والخديوي إسماعيل كخط دفاع أول لحماية الهوية. وينتقل الأديب بذكاء من جفاف التواريخ إلى تصوير المشهد اللوجستي المهيب، ليعيش القارئ حجم التضحية والجهد الذي بُذل لنقل الذاكرة المصرية، واصفاً ملحمة التأسيس والانتقال الدقيقة التي تم فيها نقل المجموعات الأثرية من قصر الخديوي إسماعيل بالجيزة إلى المتحف الجديد، واستخدم خلالها خمسة ٱلاف عربة خشبية وقطاران للأثار الضخمة ذهابا وإيابا تسع عشرة مرة بين الجيزة وقصر النيل، وقد حملت الشحنة الأولى ٤٨ تابوتا حجريا تزن ما يزيد عن ألف طن، وتم الإنتهاء من عملية النقل فى ١٣ يوليو ١٩٠٢ م. ومن خلال هذا التوثيق البليغ، نرى كيف يحول قلم الأديب الأرقام والإحصائيات الصماء إلى ملحمة وطنية حية، تُشعر القارئ المعاصر بالفخر والامتنان للأيدي والجهود الوطنية التي أسست صرح التحرير العظيم.
ولم تقف حدود دور عبد الله مهدي عند القراءة التاريخية النظريّة، بل تجاوزتها ثالثاً إلى مأسسة الفعل الثقافي والاشتباك الميداني والمعايشة الحية. فالتحرك الميداني للأديب رفقة صديقه الأثري الدكتور رضا عبد الرحيم لم يكن نزهة شخصية، بل كان حركة مقصودة تعبر عن وجهة نظر لجنة الحضارة المصرية القديمة بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر، ناقلاً هذا النبض مباشرة من مكتب إدارة المتحف حين كتب: التقينا بالأثرية الرائعة / صباح عبدالرازق مدير عام المتحف، قدمنا لها تهنئة النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر والمفكر الكبير الأستاذ الدكتور / علاء عبدالهادى رئيس النقابة والأمين العامة للاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب بمناسبة مرور مائة وعشرين عاما على افتتاح المتحف، وقد عبرت لنا عن مدى سعادتها بهذا الاهتمام بالمتحف المصرى بالتحرير أحد أكبر المتاحف الأثرية حول العالم، والذى يضم أكبر مجموعة من ٱثار مصر القديمة، وأبلغتنا شكرها الجزيل لكل قيادات النقابة والأستاذ الدكتور / علاء عبدالهادى على اهتمامها بنشر الوعى بحضارتنا المصرية القديمة، وتدعيم ذاتنا الحضارية. يوضح هذا اللقاء دور الأديب كجسر واصل ومحرّك للمؤسسات الثقافية، حيث يسعى من خلال كلمته وحراكه الميداني إلى خلق تكامل حقيقي بين المبدع والأثري وصناع القرار لدعم الذات الحضارية ونشر الوعي على نطاق قومي شامل.
وفي البعد الرابع، تحول قلم عبد الله مهدي إلى عين تدون أدق التفاصيل وتطوف بالقارئ في أروقة المتحف عبر توثيق بصري وسرد حِقبي منظم، مستعرضاً الحقب التاريخية بترتيب تدريجي دقيق؛ بدءاً من عصر ما قبل التاريخ وما يضمه من أنواع مختلفة من الفخار وأدوات الزينة وأدوات الصيد، مروراً بعصر التأسيس وصلاية نعرمر، ثم عصر الأسرة القديمة وتماثيل زوسر وخفرع وشيخ البلد، وعصر الدولة الوسطى وتمثال منتوحتب الثاني، وصولاً إلى عصر الدولة الحديثة ومجموعة الفرعون الصغير توت عنخ ٱمون الرائعة، وانتهاءً بالعصور المتأخرة وكنوز تانيس المصنوعة من الذهب والفضة. هذا التدرج النصي المحكم أظهر قدرة الأديب على اختزال آلاف السنين في سطور مفعمة بالبهاء، معرجاً على أحداث معاصرة بالغة الأهمية مثل نقل المومياوات الملكية إلى المتحف القومى للحضارة المصرية عام ٢٠٢١ م ضمن حدث عالمى موكب المومياوات الملكية، ليؤكد أن حركة التطوير والتألق المصري هي سلسلة متصلة لا تتوقف.
وفي نهاية تطوافه، لا يغفل الأديب أن يصبغ النص بروح الشاعر والفنان الشغوف الذي لا تكفيه مجرد نظرة عابرة، بل يطالب بالمزيد من التأمل والبحث، معبراً عن ذلك بقوله: سيطر علينا ولع شديد، بالاستمتاع بما يضمه المتحف المصرى بالتحرير / القاهرة من ثروة هائلة من التألق المصرى الذى لا يبارى، مؤكداً أنه قرر الرجوع إلى زيارة هذا المتحف السخى بٱثار مصر القديمة والتى تحتاج أياما لتأملها وليس سويعات. إن أديبنا من خلال هذه الثلاثية لم يكن مجرد كاتب مقال، بل كان مؤرخاً بوجدان شاعر، ومدافعاً بحس وطني غيور عن الذاكرة القومية، واستطاع عبر أدواته الأدبية من بلاغة، وتشويق، وتوثيق دقيق، أن يثبت بالدليل القاطع أن دور الأديب في نشر الحضارة المصرية القديمة هو فرض عين وطني، يسهم في صياغة عقلية واعية وممتزة بالفخر والاعتزاز بجذورها، واضعاً وثيقة حب وانتماء تجعل من حضارة الأجداد نبضاً متجدداً في عروق الأجيال الحاضرة، ليدوم المتحف المصرى بالتحرير شموخاً وتألقاً كشاهد حي على منجز أم الحضارات.



