
لا أدري ، عندما قابلتها في ادارة الشئون القانونية بإحدى الإدارات التعليمية ، أكان القدر يواسيني ، أم يعمق جراحي.
فرغم أنها تجاوزت الخمسين من عمرها، لكنها ثلاثينية المظهر و الملبس ، وقد عكس استخدامها أدوات التجميل ذوقا خاصا من شخصيتها ، تشتاق إلي حديثها ووجودها دائما ، خاصة عندما تتحرك شفاهها بالحروف ، فتهوى الحروف الجلوس على شفاهها وتقبيلها .
عندما رأيتها لأول مرة ، ألقيت السلام فردت، فنسيت من رقتها وروعتها ما قدمت إليه ، فسألتها : أولادك في أي مراحل من التعليم ، فابتسمت عيونها، وقالت : لدي ابنة محامية ، وابن ثانوية عامة . فوجدتني اسالها متعجبا! والزوج، ماذا يعمل؟ فقالت : أنا أرملة .
فقلت لها : لماذا لا تتزوجين ، وانتي على قدر عال من الجمال؟
فقالت : أنا امرأة لا أحب النكد، لأنه ضد مرضي ، وجمالي سر حزني ، فكل الرجال يطمعون فيه ، ولا يدرون ما يداري ، حتى أنهم حرموني من الترقية من اجل اني محترمة ، وجعلوا من هن أقل مني سنا وخبرة ياخذن مكاني! فهن يبذلن لهم ما يريدون، وأنا غير مستعدة لذلك.
فقلت لها : ولماذا لا تطالبين بحقك من القيادات الأعلى؟ فقالت : القيادات الأعلى اختارت القيادات الأدنى، عارف مدير اسمه محجوب البغل؟ فلت لها، لا، فقالت : مدير مدرسة ابتدائية ، رفضني كوكيلة شئون عاملين بالمدرسة دون أن يراني.
فلما رآني ، وعرف أنني جادة في عملى، وغير مستعدة للصمت أو التفريط ، طلب من” ميرفت ابو المعاطي ” مديرة التعليم الابتدائي نقلي بعد أسبوع فقط من استلام العمل، من أجل معلمة تقوم بعمل وكيلة، ولكنها مصدر راحة له . فاثرت العمل بعيدا عن المشاكل من أجل صحتي، فأنا مريضة سرطان الدم ، والمشاكل تظهر الأورام تحت عيني، وعندي اولاد في حاجة لي.
فقلت لها : ولكن الظلم أشد إيلاما على النفس، خاصة لو كانت ذات كفاءة مثلك، فأنا أرى القسم كله في حاجة إليك، فقالت : افعل ذلك من أجل تحليل المرتب الذي أتقاضاه ، فالحرام لا يتجزأ إلا عند كل محجوب.
فقلت لها : معك حق ، في كل مكان محجوب ، ولكن قولي لي : لو قُدّر لك أن تتولى منصباً، فهل ستكونين كمحجوب أم لا ؟ هل ستتجرأين وتطلبين من مستخدمينك ما يطلبه محجوب الأعلى منك؟
فقالت : أنا لا أطمع أن أكون محجوبا، فليس لدي فيزة المنصب ، ولا عندي واسطة تساندني، ولن اقبل بما تفعله غيري ؛ وبالتالي محاسبتي ، أغض الطرف عن الفاسدين من حولي ، او التنكيل بشرفاء الموظفين في إدارتي.
أنا الآن مجرد موظفة عادية كاي إدارية ، خسرت مؤهلاتي وبعض الأموال من حوافز صفوف اولى وخلافه، لكن لم اخسر نفسي ، وليس لدي أي رغبة للفساد المعتاد من حولي ، وليس من صلاحيات توقيع عقود بالملايين، ولا الإشراف على أي مناقصة ، أو حتى التعاقد على بيع الرواكد ، او شراء اجهزة غير صالحة لمؤسستي .
فقلت لها : ليس شرطا أن تكوني محجوبا صاحب المعالي، فكل منا محجوب على قدره ، فهناك محجوب يبيع الفاتورة ب ٥٠ جنيها لتسوية مالية ، وهناك محجوب يزور ، ومحجوب المرتشي، ومحجوب النصاب على المطلقات والأرامل، و محجوب يضيق على مطلقته لتنتحر او تتنازل عن مستحقاتها الشرعية.
وهناك محجوب يسرب الامتحانات، ومحجوب يوزع رؤساء اللجان حسب نوعية الطلاب الموجودين فيها، ومحجوب يضع الدرجات كاملة حسب ما ينال من مال ورغبات ، و محجوب يترك عمله من أجل عيادته، ومحجوب يأتي بإجازة مرضية مدفوعة الثمن ، لأنه كان يقضي أسبوعا عرفيا.
فقالت : يبدو انك فاهم موجوع مثلي ، انت مين؟ وايه اللى خلاك كده ؟ فقلت لها : انا ضحية نوسة محجوب ، اللي بلغت عن تلاعبها في نتائج الامتحانات ، فاستبعدت من وظيفتها، فرجعت لها بمحجوب من نواب مجلس الشعب ، لكن في إدارة تعليمية أخرى !
أنا ضحية ميحو محجوب ، اللي كان بيكتب للطلبة في الامتحانات، ومسئول عن فساد أجيال كاملة و عملى محضر مع نوسة ، و اتنقلت انا اللي بلغت وبقى مكانه ! أنا ضحية محجوب أبو طويلة تاجر الآثار و العملة وسرقة التليفونات والعقارات بأوراق مضروبة.
انا ضحية محجوب عبد الدايم المعرض في القاهرة ٣٠ ، واللي قرر ينتقم من المجتمع في القاهرة ألفين وعشرين، ويتخلص من اي حد يقف في طريقه، ومش عارف هقدر أكمل “بوضعي الحالي” و اقاوم امبراطورية محجوب، ولا هضعف وابقى زى اي محجوب ، اللي خلاص اخذ انطباع عني بأني مواطن شريف فاسد في زمنه، ولن يسمح لي بالبقاء، ويصر على تدميري
فقالت : روق يا أستاذ ، فيه ربنا، وفيه حساب، ولو حقنا ضاع في الدنيا، لسه فيه آخرة.
فقلت لها : خايف مقدرش اكمل، وساعات اقول لنفسي : اللي سرقوا الملايين واقترضوها بلا ضمانات مفتحين ولا مفسدين ؟ مش لو كنت زيهم كان زماني راكب عربية وساكن في كومبوند، وشاري لابني شقة، ومحهز بنتي، وبصيف في الساحل، ما اللي بيسرق ورقة زي اللي بيسرق ملايين، زي اللي مبيحللش مرتبه!
واللي بيبيع ضميره بتراب الفلوس، وفاكر ان مفيش ضرر، لأن الكل بيبيع حتى العشرة ، زي اللي بيبيع شقق في الهوى بملايين ، فقالت : بس الكل هيتحاسب، يعني نخسر الدنيا والآخرة
دخلت امرأة والقت السلام ، فردت بابتسامة ، فسألتها عن أستاذة فايزة، فقالت لها : خير يا افندم ، فقالت : عايزة أعمل ولاية تعليمية لبناتي ، طليقي عايز يخدهم عشان يستولى على شقة الزوجية.
فقالت لها : بناتك في سنة كام؟ فقالت : واحدة في تانية ابتدائي، وواحدة في اولى ابتدائي، فقالت لها : لسه صغيرين، فقالت : اصله محامي شمال، وممكن يحصل على حكم بشهود زور ، او ينقلهم من المدرسة من غير ما اعرف للضغط عليا ، ومدير المدرسة فاتح الدرج، فقالت لها : هاتي حكم من المحكمة ، وانا اعملك ولاية.
فلما انصرفت، ضحكنا، وقالت : شكلها كلها محجوب ، ثم تابعت ، انت كنت جاي في أيه ؟ فقلت لها : كنت جي أهرب من محجوب، ولكن لقيته في كل حتة ، ولكن السؤال هنا : هل وجود هيئة لمكافحة محجوب ستتمكن منه ، أم أننا بحاجة لإخفائه نهائيا ، حتى ترتدع ذرية محجوب؟
فقالت :محجوب مش شخص في منصب يا أستاذ؛ محجوب بقى جوا كل واحد فينا ، بيظهر في البيئة السيئة مع الصحبة السيئة ضعيفة الإيمان، ضعيفة القوانين ؛ ضعيفة الرقابة ، وطبعا مقصدش القانون اللي مكتوب في الكتب ، ولا الرقابة الإيمانية ، انا اقصد قوانين ورقابة محجوب العرجاء
فقلت لها : معك حق. وقمت لانصرف، فقالت : كنت جي في إيه؟ فقلت : كنت بدور عن مكان مفيهوش محجوب، فلقيته مسبش مكان الا وساب فيه محجوب يمثله، او ساب فيه اللي زيي وزيك، ورفعت يدي بالسلام ومضيت افكر كيف القضاء على محجوب بعدما افسد المجتمع الا من قرر شراء راسه بعدما يئس من ميدان المعركة، التي استخدم فيها كل الاسلحة القذرة ولا طاقة لي بسلاحه
وبينما اهبط السلم وجدت مجموعة من النمل يحملون جثة صرصار ، فادركت ان هناك امل، حتى لو كنا نملا ضعيفا



