رؤى جديدة من منتدى «Research with Impact» عندما يصبح الباحث أهم من التكنولوجيا
بقلم -هالة مغاوري

في ظل الثورة المتسارعة التي يشهدها العالم في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، قد يبدو للوهلة الأولى أن مستقبل البحث العلمي بات مرهونًا بما تمتلكه الجامعات من تقنيات متقدمة ومعامل حديثة وأنظمة حاسوبية قادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات. غير أن منتدى “Research with Impact”، الذي استضافه المكتب الثقافي والتعليمي المصري في فيينا، التابع لسفارة جمهورية مصر العربية بإدارة المستشار الدكتور خالد ابو شنب ، بالتعاون مع معهد كارل لاندشتاينر لأبحاث أورام الصدر، قدم رؤية مختلفة وأكثر عمقًا؛ مفادها أن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، تظل مجرد أداة، بينما يبقى الإنسان هو المحرك الحقيقي للابتكار وصناعة الأثر.
ومن خلال مداخلتي الدكتورة أميرة طارق والدكتورة نهلة العربي، لم يكن الحديث عن الذكاء الاصطناعي أو النشر العلمي باعتبارهما موضوعين منفصلين، بل عن منظومة متكاملة تبدأ بباحث يمتلك رؤية، ويعمل داخل بيئة تعاونية، ويستخدم التكنولوجيا بوعي، وينتهي إلى إنتاج معرفة قادرة على معالجة قضايا المجتمع.
لقد بدا واضحًا أن المنتدى لا يدعو إلى تطوير أدوات البحث العلمي فحسب، بل إلى إعادة النظر في مفهوم الباحث نفسه، وفي طبيعة المهارات التي يجب أن يمتلكها إذا أراد أن يكون جزءًا من مستقبل المعرفة.
قدمت الدكتورة أميرة طارق نموذجًا يعكس التحول الذي يشهده البحث العلمي عالميًا، من خلال استعراض تجربة تعاون بين جامعة النيل وعدد من المؤسسات الأكاديمية في النمسا، موضحة أن المشروعات البحثية الحديثة لم تعد تعتمد على الجهد الفردي، بل على فرق دولية تتبادل المعرفة والخبرات، وتستفيد من التطور المتسارع في أدوات الذكاء الاصطناعي وتطوير البرمجيات.
ولم يكن حديثها عن تقنيات Formal Verification أو أدوات تطوير البرمجيات مجرد استعراض لتكنولوجيا حديثة، بل كان تأكيدًا على أن الثقة في الأنظمة الذكية أصبحت قضية علمية وأخلاقية في الوقت نفسه. فكلما ازداد اعتماد المجتمعات على الأنظمة الرقمية في الصحة والنقل والصناعة والخدمات، ازدادت الحاجة إلى تطوير برمجيات تتمتع بدرجة عالية من الدقة والموثوقية، وهو ما يجعل التحقق العلمي من سلامة هذه الأنظمة جزءًا أساسيًا من عملية البحث والابتكار.
كما أوضحت أن الذكاء الاصطناعي لم يعد منافسًا للباحث، وإنما أصبح شريكًا له، يساعده على تحليل البيانات، وتسريع عمليات التطوير، واكتشاف أنماط جديدة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل العقل البشري في طرح الأسئلة، أو تفسير النتائج، أو تحديد الأولويات البحثية.
وهنا تبرز قيمة التعاون الدولي؛ فالمعرفة لم تعد حبيسة جامعة أو دولة، بل أصبحت نتاجًا لتكامل الخبرات بين مؤسسات مختلفة، يعمل فيها الباحثون ضمن فرق متعددة التخصصات، يجمعها هدف واحد هو إنتاج معرفة أكثر دقة وأكثر تأثيرًا.
إذا كانت التكنولوجيا تتطور بوتيرة غير مسبوقة، فإن السؤال الذي طرحته الدكتورة نهلة العربي بدا أكثر إلحاحًا: هل تتطور طريقة إعداد الباحثين بالسرعة نفسها؟
ففي قراءة نقدية لواقع البحث العلمي، أشارت إلى أن كثيرًا من الجامعات لا تزال تقيس نجاح الباحثين وفق مؤشرات كمية؛ عدد الأبحاث المنشورة، وعدد الاستشهادات العلمية، وحجم التمويل، وعدد المشروعات، وهي معايير قد تعكس جانبًا من النشاط الأكاديمي، لكنها لا تكشف بالضرورة عن قيمة البحث أو أثره الحقيقي.
ومن هنا قدمت مفهوم Scholar Beyond the Metrics، الذي يدعو إلى تجاوز ثقافة الأرقام، والنظر إلى الباحث باعتباره قائدًا للتغيير، لا مجرد منتج للأوراق العلمية.
وأكدت أن الباحث في القرن الحادي والعشرين يحتاج إلى مهارات لم تكن تحظى بالاهتمام الكافي في الماضي؛ مثل القيادة، والتواصل، والعمل الجماعي، وإدارة المشروعات، وبناء الشراكات، والحصول على التمويل، والتفاعل مع احتياجات المجتمع.
ولعل أخطر ما طرحته يتمثل في حديثها عن العزلة البحثية، وهي الظاهرة التي تدفع بعض الباحثين إلى العمل في دوائر مغلقة، بينما أصبحت الاكتشافات الكبرى اليوم نتاج فرق بحثية تتقاسم الخبرات والأدوار والمسؤوليات.
عند النظر إلى كلمتي أميرة طارق ونهلة العربي معًا، يتضح أنهما لم تتحدثا عن موضوعين منفصلين، بل عن مرحلتين متكاملتين في رحلة البحث العلمي.
فالمرحلة الأولى تتمثل في توفير الأدوات الحديثة، والتقنيات الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتعاون الدولي، وهي العناصر التي تناولتها أميرة طارق بوصفها البيئة التي يعمل فيها الباحث.
أما المرحلة الثانية، فتتمثل في إعداد الباحث القادر على استثمار هذه البيئة، وقيادة فرق العمل، وإدارة المشروعات، وربط البحث العلمي باحتياجات المجتمع، وهي الرؤية التي قدمتها نهلة العربي.
ومن هنا، فإن التكنولوجيا لا تصنع الابتكار بمفردها، كما أن الباحث، مهما امتلك من علم، لن يستطيع تحقيق أثر حقيقي إذا ظل يعمل بمعزل عن أدوات العصر وعن شبكات التعاون الدولي.
تكمن القيمة الحقيقية لما طُرح في المنتدى في أنه لم يناقش فقط كيفية تطوير البحث العلمي، بل ناقش لماذا نبحث؟ ولمن نبحث؟ وكيف نقيس نجاح البحث؟
إن الجامعات التي ستقود المستقبل ليست تلك التي تمتلك أكبر عدد من الباحثين أو المنشورات، بل تلك التي تستطيع بناء منظومة متكاملة، يكون فيها الباحث قائدًا، والتكنولوجيا أداة، والتعاون الدولي منهجًا، والمجتمع هو المستفيد الأول من المعرفة.
ولهذا، فإن الرسالة التي حملتها الدكتورة أميرة طارق والدكتورة نهلة العربي تتجاوز حدود مؤتمر علمي أو تجربة بحثية ناجحة؛ إنها دعوة إلى إعادة صياغة العلاقة بين الباحث والعلم والمجتمع، وإلى الانتقال من ثقافة إنتاج المعرفة إلى ثقافة صناعة الأثر.
وهنا تتجلى الفكرة الأهم التي نجح المنتدى في ترسيخها: فمستقبل البحث العلمي لن يُكتب بخوارزميات الذكاء الاصطناعي وحدها، ولا بعدد الأوراق المنشورة، بل بعقول تمتلك القدرة على توظيف التكنولوجيا، وقيادة التعاون، وتحويل المعرفة إلى قيمة حقيقية تخدم الإنسان



