مقالات وآراء

زلزال الشمال السوري وإعادة رسم خارطة النفوذ وتوازنات القوة

كتبت /منى منصور السيد

لم تكن أحداث الأيام الأخيرة في الشمال السوري مجرد جولة جديدة من جولات الصراع المسلح الذي ينهك البلاد منذ عقد ونيف، بل كانت بمثابة انزياح تكتوني في صفائح القوى الإقليمية والدولية؛ فما حدث من تغيير خاطف في خارطة السيطرة الميدانية يتجاوز كونه نصراً عسكرياً محلياً، ليتحول إلى إعادة صياغة شاملة لمستقبل الجغرافيا السياسية في المنطقة.
عسكرياً، نحن أمام مدرسة جديدة في تكتيكات القوات غير النظامية، حيث أثبتت المعارك أن مفهوم التحصينات الثابتة قد انتهى أمام سلاح المسيرات الرخيص والمتطور، والذي نجح في شل حركة سلاح الجو التقليدي وقطع أوصال الإمداد، واعتمد المهاجمون استراتيجية الالتفاف والعزل قبل الاقتحام، مستغلين حالة الترهل العملياتي في القوات المدافعة وغياب التغطية الروسية الفعالة التي كانت تمثل بيضة القبان، مما أدى لانهيار الروح المعنوية والقيادية قبل انهيار السواتر الترابية.
سياسياً، برهنت التحولات الأخيرة على أن الجمود الذي ساد لسنوات كان هشاً، إذ استغل الفاعلون المحليون انشغال القوى الضامنة بملفات ملتهبة في أوكرانيا وجبهات الصراع الإقليمية الأخرى ليفرضوا أمراً واقعاً جديداً لا يمكن تجاوزه في أي طاولات مفاوضات قادمة، مع ملاحظة تحول في الخطاب السياسي للقوى الصاعدة نحو تسويق الإدارة المدنية وحماية التنوع المجتمعي، وهي محاولة لطرق أبواب المجتمع الدولي والحصول على شرعية سياسية تمهد للطريق مستقبلاً.
ولا يمكن فصل المدافع عن الاقتصاد؛ فالسيطرة على حلب وحماة تعني السيطرة على العصب التجاري والصناعي لسوريا، والتحكم في عقد الطرق الدولية الحيوية التي تربط تركيا بالإقليم، ومع ذلك يبرز التحدي الأكبر في كيفية إدارة هذه الكتلة الاقتصادية المنهكة وتأمين السلع الأساسية، حيث سيبقى النجاح العسكري ناقصاً ما لم يتبعه استقرار معيشي يحدد قدرة القوى الجديدة على الاستمرار وليس فقط السيطرة.
إننا نقف اليوم أمام مشهد سوري لم يعد فيه للحلول التقليدية مكان، حيث تحطم “ستاتيكو” السنوات الماضية، وما سيبنى على أنقاضه سيعتمد على قدرة الأطراف المحلية على التحول من عقلية الحرب إلى منطق الدولة، وعلى مدى تقاطع المصالح الدولية التي لا تزال ترى في الجغرافيا السورية ساحة لتصفية الحسابات الكبرى، ليبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام بداية النهاية للصراع، أم أنها مجرد بداية لفصل أكثر تعقيداً ودموية؟ الإجابة تكمن في قدرة العواصم المؤثرة على استيعاب الصدمة ورسم حدود نفوذ جديدة قبل أن يخرج الانفجار عن السيطرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock