دين ومجتمع

دعاء يفضح نفاقنا 

بقلم / عماد القطاوي 

 

 

لم يعد الأمر مجرد خطأٍ في الألفاظ، بل صار انحرافًا في الفهم، وجرأةً على الله تُقال بملء الفم دون وجل: “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين”.

 

دعاءٌ يتداوله الناس وكأنهم خارج دائرة الظلم، وكأنهم ملائكة تمشي على الأرض، لا ذنب لهم ولا تقصير، وكأن السلامة حقٌّ مكتسب لا يُسأل عنه العبد ولا يُحاسب عليه.

 

الحقيقة الصادمة التي يهرب منها كثيرون:

أنت لست خارج المشهد… بل أنت جزءٌ منه.

من قال لك إنك لست ظالمًا؟.

 

هل لأنك لا تحمل سلاحًا؟ أم لأنك لم تسجن أحدًا؟.

 

الظلم ليس فقط بطش الحكام، بل يبدأ من تفاصيلك اليومية: من صمتك عن الحق، من تقصيرك، من أنانيتك، من تبريرك الدائم لعجزك، ثم تغطي كل ذلك بدعاءٍ يمنحك شهادة براءة لم يمنحها لك الله.

 

هذا الدعاء – بصيغته الشائعة – ليس دعاءً بريئًا، بل هو خطابُ هروبٍ جماعي من المسؤولية.

 

أنت لا تريد أن تُصلح، ولا أن تتحرك، ولا أن تتحمل تبعات شيء… تريد فقط أن “تخرج سالمًا”.

 

سلامة بلا عمل، نجاة بلا توبة، براءة بلا محاسبة.

أيُّ وقاحةٍ هذه مع الله؟.

 

نبيٌّ كريم، في بطن الحوت، في ظلماتٍ ثلاث، لم يقل: أنا مظلوم فأنقذني، بل قال: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”.

 

يعترف، ينكسر، يقرّ، وهو نبي.

وأنت، بما فيك من تقصيرٍ ظاهر وخفي، ترفع رأسك وتطلب النجاة وكأنك ضمنت الجنة

لنكن أكثر وضوحًا بلا تجميل:

أنت ظالم…

حين ترى الجوع ولا تتحرك،

حين تُهدر الطعام وغيره يموت،

حين تسكت عن الباطل لأنه لا يمسك مباشرة،

حين تُقصّر في حق من حولك،

حين تُبرر كل عجزك وتُسميه حكمة.

أنت ظالم…

حين تُجامل على حساب الحق،

حين تُفضّل راحتك على واجبك،

حين تُدين غيرك وتُبرئ نفسك،

حين تتحدث عن الدين ولا تعمل به.

بل دعنا نواجهها بصراحة أكبر:

أخطر أنواع الظلم أن تظن نفسك بريئًا.

ثم تأتي بعد كل ذلك وتقول: “وأخرجنا من بينهم سالمين”.

 

من أدراك أنك لست من هؤلاء الذين يُسلَّط عليهم الظلم بسبب ظلمهم؟.

 

من أعطاك صكّ النجاة؟.

أي عملٍ قدمت؟ أي توبةٍ صدقت؟ أي مسؤوليةٍ تحملت؟.

سنن الله لا تُخدع بالدعاء الفارغ.

 

الله يسلّط الظالمين بعضهم على بعض، نعم، ولكن من كان داخل دائرة الظلم فلن يُستثنى لأنه يردد عبارة محفوظة.

 

إن كنت تريد النجاة حقًا، فابدأ من هنا:

اكسر هذا الوهم… وهم أنك “سالم”.

قلها كما قال الصادقون:

اللهم إنا ظلمنا أنفسنا ظلمًا كثيرًا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

اللهم طهّرنا من الظلم، خفيّه وجليّه، ولا تجعلنا من أهله.

 

اللهم لا تؤاخذنا بتقصيرنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا.

 

النجاة ليست كلمة تُقال… بل حالٌ يُبنى.

والسلامة لا تُطلب وأنت غارق… بل تُنال حين تخرج من مستنقع تبرئة النفس.

أما أن تستمر في خداع نفسك، وتطلب من الله أن يعاملك على أنك “سالم”…

 

فهذه ليست عبادة… هذه جرأة،

وليست توحيدًا… بل وهمٌ مريح،

وثمنه – إن لم تُفق – أن تكون أول من يُصيبهم هذا الدعاء الذي تردده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock