
لقد كان من جبر النبي صلى الله عليه وسلم للخواطر هو موقفه مع زيد بن أرقم رضي الله عنه وأنه لما سمع قول عبدالله بن أبيّ لأصحابه وكان بمعزل عن جيش المسلمين، ولم يأبهوا لذلك الغلام، فقال عبدالله المنافق لأصحابه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، أبلغ زيد عمه، وأبلغ العم رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلمة خطيرة جدا، أرسل النبي عليه الصلاة والسلام لعبدالله بن أبي جاء وحلف وجحد، قال زيد فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصار اللوم على زيد، كيف تنقل مثل هذا الكلام الخطير، أنت غلام لا تعلم ماذا يترتب على مثل هذا الكلام؟ قال زيد فوقع عليّ من الهم ما لم يقع على أحد، فبينما أنا أسير قد خفقت برأسي من الهم، فهذا غلام انكسر قلبه وخاطره من جراء رد قوله، ولوم الناس له وهو صادق، إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرك أذني، وضحك في وجهي، فما كان يسرني أني لي بها الخلد في الدنيا.
وهو سبب نزول قول الله تعالى في سورة المنافقون ” يقولون لئن رجعنا إلي المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل” واعلموا يا عباد الله أنن الجدير بالمسلمين أن يستشعروا ويستحضروا الأهداف النبيلة من الزواج لتكون لهم دافعا لتحصين الشباب وتزويجهم، وإن هذه القدوة الحسنة فى الزواج يزفها إلينا التاريخ، وإنها زواج شريح القاضي، الذي ولاه عمر بن الخطاب قضاء الكوفة فمكث فيه ستين سنة، وضرب بعدله المثل، وقيل أنه مر عليه الشعبي يوما، والشعبي هو أعلم التابعين كما قال زيد عن مكحول، أعلم التابعين الشعبي، فيقول التقى شريح بالشعبي، فقال الشعبي لشريح، كيف حالك يا شريح ؟ قال بخير حال، قال كيف حال أهلك؟ أي كيف حال زوجتك؟ فقال شريح والله يا شعبي، منذ عشرين سنة لم أر من زوجتي ما يغضبني قط، فقال الشعبي سبحان الله، وكيف ذلك؟ فقال شريح يا شعبي منذ أول ليلة دخلت فيها على زوجتي رأيت بها جمالا نادرا وحسنا باهرا.
فقلت أصلي ركعتين شكرا لله، وهو يريد أن يعترف لله بالفضل، فيقول شريح فلما صليت وسلمت رأيت زوجتي تصلي بصلاتي وتسلم بسلامي أي أنها دخلت معه في الصلاة لله عز وجل، فلما انتهينا، وانفض الأهل والأحباب، مددت يدي نحوها، فقالت على رسلك يا أبا أمية، ثم قالت أحمد الله وأستعينه وأستغفره، وأصلي وأسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد، أبا أمية، إني امرأة غريبة عنك، لا علم لي بأخلاقك، فبين لي ما تحب فآتيه، وما تكرهه فأتركه، يا أبا أمية لقد كان لك من نساء قومك من هي كفؤ لك، ولقد كان لي من رجال قومي من هو كفؤ لي، أما وقد قضى الله أمرا كان مفعولا فاصنع ما أمرك الله به، فقد قال الله تعالى فى سورة البقرة ” فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ” فيقول شريح، فأحوجتني والله إلى الخطبة في ذلك يا شعبي، فجلست وقلت أحمد الله وأستعينه وأستغفره وأصلي وأسلم على رسول الله وبعد،
فإنك قلت كلاما إن ثبت عليه يكن حظك، وإن تدعيه يكن حجة عليك، أما إني أحب كذا وكذا، وأكره كذا وكذا، فقالت فما تحب من زيارة أهلي؟ قال ما أحب أن يملني أصهاري، قالت فمن تحب من جيرانك أن يدخل دارك، قال بنو فلان قوم صالحون، وبنو فلان قوم سوء، وما رأيت من حسنة فانشريها، وما رأيت من سيئة فاستريها، ويقول شريح، فبت معها بأنعم ليلة، ومكثت عشرين سنة، والله لم أعتب عليها في حياتي إلا مرة واحدة، وأشهد الله أني كنت لها ظالما، قلت يا لها من عيشة هانية، يا لها من عيشة هانية راضية، وهكذا تكون المرأة الصالحة التي تراقب الله عز وجل، في زوجها، وتتقي الله تبارك وتعالى في بعلها، هذا هو الزواج، وهذا نداء للآباء ونداء للأمهات ونداء للفتيات ونداء للشباب، وإنه يزعم بعض ضعاف النفوس بأنه يجد في الفاحشة متنفسا للغرائز، وأنها هي أقل عبئا وتكليفا من الزواج، فينبغي على الجميع التكاتف للقضاء على هذه العادة السيئة.
وتطبيق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تيسير تكاليف الزواج وتخفيف المهور، والزواج في الوقت ذاته خير معين على غض البصر، لأن كلا من الزوجين يجد ما يفرغ شهوة بصره فيه مما أحل الله له، ثم إن من فوائد الزواج وثماره الكريمة أنه وسيلة لحفظ الفرج من الوقوع فيما حرم الله عز وجل من الفواحش وتلبية لحاجات النفس الجنسية الفطرية بما أباح الله عز وجل على وجه يحقق الخير، والفضيلة للمرأة والرجل بل وللمجتمع والأمة، فإن الزواج حصن للمرء من الوقوع في معصية الله تعالى، وقد حث الله سبحانه وتعالى عليه، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم من سنته الشريفة، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن التبتل والإنقطاع.



