
وسط الزحام الهائل، وبين ملايين الأيدي التي ترتفع بحصيات صغيرة، يبدو المشهد وكأن البشرية كلها تعلن رفضها الجماعي للاستسلام للشر.
في أيام الحج الأخيرة، لا تبدو الجمرات مجرد حصيات تُرمى في مكان محدد، بل تتحول إلى درس إنساني عميق في مقاومة الشر وتربية الإرادة.
فهذه الشعيرة التي تتكرر كل عام أمام ملايين البشر تحمل في داخلها رسالة تربوية هائلة:
أن الإنسان لا ينتصر على الشر مرة واحدة، بل يظل يقاومه كل يوم، وكل مرة، وكلما عاد إليه الوسواس عاد هو إلى المواجهة.
حين نعود إلى قصة إبراهيم عليه السلام، نجد أن الشيطان لم يأتِه مرة واحدة ثم انصرف، بل حاول أن يثنيه عن الطاعة في أكثر من موضع.
جاءه عند ذهابه لتنفيذ الأمر الإلهي، وجاء هاجر، وجاء إسماعيل، لكن الأسرة كلها انتصرت على التردد والخوف والوسوسة.
ومن هنا جاءت شعيرة الرمي:
إعلانٌ متجدد أن المؤمن لا يستسلم لما يفسد قلبه أو يعطل رسالته.
والجميل أن الإسلام لم يجعل هذه المقاومة فكرة ذهنية مجردة، بل حولها إلى ممارسة عملية.
يمشي الحاج، ويحمل الحصى، ويقف في موضع محدد، ثم يرمي بترتيب وانضباط.
وكأن الشريعة تريد أن تربي الإنسان على أن الانتصار على الشر لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالفعل المتكرر المنظم.
وفي هذا المشهد تتجلى قيمة الطاعة العملية. فكثير من الناس يحبون المبادئ الكبرى، لكنهم يتعثرون في التفاصيل الصغيرة.
بينما الحج يعلّم الإنسان أن الالتزام الحقيقي يظهر في الانضباط، واحترام التوقيت، والالتزام بالنظام، حتى في الزحام الهائل.
ملايين البشر يتحركون وفق ترتيب واحد، في صورة نادرة من صور الانضباط الجماعي الذي يجمع بين الروح والإدارة.
كما أن الجمرات تربي النفس على فهم طبيعة المعركة مع الشر. فالشيطان في حياة الإنسان ليس دائماً صورة واضحة، بل قد يكون شهوة مدمرة، أو يأساً خانقاً، أو غضباً منفلتاً، أو استسلاماً لفكرة سوداء.
فكم من إنسان لا يهزمه عدو خارجي، لكنه يسقط أمام يأس داخلي، أو عادة مدمرة، أو كلمة غضب لم يستطع السيطرة عليها. وهنا تتحول الجمرات من شعيرة موسمية إلى تدريب دائم على مقاومة ما يفسد الإنسان من الداخل.
ومن أعظم ما تكشفه هذه الشعيرة أن بناء الأمة العظيمة لا يبدأ من القوة المادية وحدها، بل من بناء الإنسان القادر على التحكم في نفسه. فأسرة إبراهيم الصغيرة لم تؤسس أمة خالدة لأنها امتلكت المال أو السلطان، بل لأنها امتلكت إرادة الطاعة والثبات أمام الابتلاء.
ولهذا بقيت الجمرات درساً متجدداً لكل جيل:
إن الإنسان لا يولد قوياً، لكنه يتربى على القوة عبر مقاومة الشر مرة بعد مرة، حتى تصبح الطاعة جزءاً من تكوينه الداخلي، وحتى يصبح قادراً على حمل رسالته في الحياة دون أن يهزمه خوف أو هوى أو وسواس.
ولهذا لم تكن الحصى الصغيرة هي جوهر الشعيرة، بل الإنسان الجديد الذي يخرج من التجربة أكثر قدرة على قيادة نفسه، وأكثر استعدادًا لبناء أمة لا تستسلم للشر مهما تغيّرت صوره.عناوين مقترحة
الجمرات… حين تتحول الحصى إلى تربية للإرادة



