فن وثقافة

من فارس أحلامهم إلى كابوس واقعهم.. التحقيق الكامل في “دورة تحول الفتوة”

تحقيق/ عمرو بسيوني

الجزء الأول: عندما يخلق المظلوم جلاده
في كل حارة مصرية قديمة، وقبل أن تنتشر كاميرات المراقبة وتُرفع لافتات “ممنوع البلطجة”، كان هناك رجل واحد لا يُكتب اسمه في العقود، لكن الجميع يعرفونه. يبدأ قصته الجميع بنفس العبارة: “كان زمان راجل جدع، بياخد حق الضعيف”. لكن النهاية، في الغالب، تكون مفاجأة مخيفة: تحول ذلك المدافع عن المظلوم إلى فرعون صغير يسلب الحقوق قبل أن تُطلب، ويصبح هو نفسه السبب في إعادة إنتاج دائرة الخوف التي كان يقف يومًا في وجهها. هذا التحقيق هو محاولة لتفكيك هذه الدورة الخبيثة، مرحلة مرحلة، قبل أن نصل إلى النماذج الكبرى التي تصنع التوازنات في عواصم الدول.
في البداية، لا يولد الفتوة شريرًا في مخيال أبناء دائرته. بل يولد كحل سريع في مجتمع يغيب فيه القانون أو يتباطأ. هو الشاب صاحب “الظهر القوي” الذي لا يهاب أحدًا، والذي يلجأ إليه الجار عندما يأتي الغريب ليأخذ حقه بالقوة.
هنا، يُبنى شرعيته على ثلاث ركائز بسيطة: الدفاع عن المستضعف حتى لو كان دفاعه يجافي القانون الرسمي، والصدق في الوعيد بحيث لا يذهب تهديده هباءً، والتواضع الظاهري فلا يطلب أجرًا أو يكتفي بكأس شاي. في هذه المرحلة، يُصبح الفتوة بطلاً شعبياً، والقصة التي يرويها الناس عنه تكبر مع كل مرة تُحكى. ولا أحد يتخيل أن هذا البطل هو نفسه من سيأكل رقابهم بعد سنوات.
قبل أن يُصبح المال هو الإله، كانت العضلة هي العملة الصعبة. الفتوة في مرحلته الأولى لا يملك أصولاً، ولا شبكة علاقات، ولا ملفات فساد. كل ما يملكه هو جسد يفوق جسور الآخرين وقدرة على إيذاء من يعاديه.
في المجتمعات الفقيرة أو تلك التي تعاني من فوضى أمنية، يصبح الأقوى هو الأحق. الناس لا تذهب إليه حباً، بل خوفاً من بطشه، ولكنها تبرر ذلك لنفسها بعبارة “على الأقل بيحمينا من اللي أشر منه”. هذه التبريرات هي التي تمنحه الاستمرارية، وتجعله يظن أن ما يفعله هو خدمة وليس انتهاكاً.
هنا يأتي منعطف الخطر الحقيقي. يكتشف الفتوة أن قوته الجسدية يمكن تأجيرها أو بيعها. يبدأ بالاقتراب من التجار، وأصحاب المحلات، وسماسرة النفوذ. يقدم لهم هبات صغيرة: خدمة دون مقابل، حماية موقف سيارات، ترهيب منافس. في المقابل، يطلب شيئاً واحداً لا يعلن عنه: الود. هذه الهبات هي بذور الانحراف.
فبمجرد أن يستسيغ الفتوة طعم العرفان بالجميل، يصبح مستعداً لفعل أي شيء للحصول عليه. ينتقل تدريجياً من خادم الناس بالمجان إلى حارس المصلحة بانتظار الأجر، وهنا تبدأ رحلة التحول البطيء نحو الظلام.
بمجرد أن ينجح الفتوة في بناء شبكة من العلاقات، يبدأ طابور المنافقين في الاصطفاف حوله. هم الـ “صحاب” الذين لا ينفعون إلا بالتصفيق والتملق. يكررون له يومياً: “أنت أقوى واحد هنا”، “أنت اللي ماشية الدنيا بكلمتك”.
هنا يبدأ الغرور في أكل العقل، وتضخم الصورة الذاتية تدريجياً. يتحول الفتوة من مدافع عن الحق – حتى لو كان فظاً – إلى سالب للحق. لم يعد هدفه رد المظالم، بل ترسيخ هيبته. يبدأ في فرض إتاوات على التجار “اللي ما بيسألوش عليه”، ويضرب من يرفع صوته بحجة أنه لا يُسأل. يتحول إلى فرعون صغير في منطقته، والجميع يركع خوفاً لا حباً. وهذه هي اللحظة التي يكتمل فيها انعكاس الصورة: أصبح الجلاد هو البطل، وأصبح المظلومون الأصليون هم الخاضعون له.
لم تعد الشجاعة الجسدية هي الأداة الوحيدة في المجتمعات المتطورة قليلاً. يكتشف الفتوة أن الدماغ يمكن أن يوقع خصوماً أقوى منه جسدياً. يبدأ في استخدام مصطلح “تشغيل الدماغ”: التهديد غير المباشر بعبارات مثل “لو حصل حاجة وحشة، مش هكون موجود”، والابتزاز العاطفي باستغلال حاجة الناس لتمرير مصالحه، وبناء قواعد من الأتباع يقومون بتنفيذ المهام بدلاً عنه حتى لا تتسخ يداه. هنا يتحول المسمى من “بلطجي” إلى “معلم”. والمعلم هو من يدير العمليات من وراء الستار، ويتجنب أن يُمسك متلبساً، ويستخدم القانون أحياناً لضرب خصومه بمواده، ويظهر بمظهر رجل الأعمال المحترم بينما لا يزال يعمل بنفس آليات التهديد والإخافة.
القفزة الكبرى تحدث عندما يبدأ المال في التدفق. لم يعد الفتوة بحاجة إلى كسر عظام أحد ليثبت وجوده. المال يشتري كل شيء: المحامي الماهر الذي يخرجه من التهم، والضابط المتفهم الذي يتغاضى عن شكاوى ضده، والموظف المتعاون الذي يمرر له معاملاته، وشبكة المنتفعين الكاملة من البشر الذين يعيشون على فتات نفوذه ويدافعون عنه في كل مكان مقابل بقائهم في الحلقة. المال يحول الفتوة من قوة غاشمة إلى رجل أعمال محترم. في هذه المرحلة، قد يمتلك شركات مقاولات، أو أمن، أو خدمات، ويصبح طرفاً في عقود رسمية. لكن الآلية تبقى كما هي: النفوذ المبني على التهديد الكامن، والسلطة التي لا تأتي من القانون بل من القدرة على الأذى.
هنا يصبح الفتوة المتطور أداة في يد “دافع الفاتورة”. هذا الدافع قد يكون تاجراً يريد إخلاء منطقة من منافسيه، أو حزباً يريد ترهيب الناخبين، أو في النماذج الأكبر جهة حكومية تريد فض اعتصام دون أن تتسخ أيدي رجالها. مهمة الفتوة واضحة: الضغط لتمرير ما يحتاجه دافع الفاتورة، دائماً على حساب صاحب الحق الحقيقي. صاحب الحق هو الطرف الأضعف، الذي لا يملك شبكة علاقات، ولا يملك مالاً، ولا يملك جسده القوة لمواجهة هذه الآلة. وهنا تكتمل المأساة: من كان يومًا مدافعًا عن الضعفاء أصبح آلة لقمعهم، ومن كان يملأ فمه بكلمة “حق” أصبح هو أكبر عائق أمام وصول الحقوق إلى أصحابها.
في نهاية الدورة، لا يكتفي الفتوة بسلْب حق فرد أو ترويع خصم. الهدف الأعمق هو فرض السيطرة الكاملة على المحيط. السيطرة تعني ترويع الخصوم حتى لا يفكر أحد في التحدي، وشراء الذمم وتحويل المعارضين إلى متواطئين صامتين، وتكميم الأفواه باستخدام المال أو القانون أو القبضة، وتفريغ المنطقة من أي منافس شرعي حتى يصبح هو المرجع الوحيد، والخيار الوحيد، سواء في حل النزاعات، أو توزيع “الحماية”، أو تمرير الصفقات. في هذه المرحلة النهائية، يصبح الفتوة هو القانون. ليس لأنه كُتب له ذلك في دستور، بل لأنه نجح في احتكار القوة في محيطه. والمواطن العادي لم يعد يعرف من أين يأتي حقه، ومن أين يشتكي، وقد ساهم – دون أن يدري – في تكوين هذا الوحش الذي يأكل رقبته الآن.
يتبع في الجزء الثاني: كيف تنتقل هذه الشخصيات من سيطرة الحارة إلى شراكة الحكومات؟ وما هو دور “السجن الاستراتيجي” في تنقية سيرتهم؟ وكيف تتم صفقة “التكريس” التي تحول “المعلم” إلى “رجل أعمال رسمي” بعقود بمليارات الجنيهات؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock