
يا أخي الكريم عليك أن تتأمل وأت تقرأ عن حال السلف مع الوقت فإن معرفة أحوالهم وقراءة سيرهم أكبر عون للمسلم على حسن استغلال وقته، فهم خير من أدرك قيمة الوقت وأهمية العمر، واستغلال أنفاسه في طاعة الله عز وجل، وكما يجب تنويع ما يُستغل به الوقت، فإن النفس بطبيعتها سريعة الملل، وتنفر من الشيء المكرر، وتنويع الأعمال يساعد النفس على استغلال أكبر قدر ممكن من الوقت، وما مضى من الوقت لا يعود ولا يُعوّض وهذا معنى ما قاله الحسن البصري ما من يوم يمر على ابن آدم إلا وهو يقول يا ابن آدم، أنا يوم جديد، وعلى عملك شهيد، وإذا ذهبت عنك لم أرجع إليك، فقدم ما شئت تجده بين يديك، وأخّر ما شئت فلن يعود إليك أبدا” وتذكر الموت وساعة الاحتضار حين تقول ” رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت” ويقال لك حينئذ انتهى الوقت ” أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير”
وتذكر السؤال عن الوقت يوم القيامة فيُسأل العبد عن وقته وعمره، كيف قضاه؟ وأين أنفقه؟ وفيم استغله؟ وبأي شيء ملأه؟ فيقول النبي صلى الله عليه وسلم ” لن تزول قدما عبد حتى يُسأل عن خمس”وذكر منها” عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيم أبلاه؟ رواه الترمذي، وإن إضاعة الوقت أشد من الموت لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها، وإن اليوم الواحد يوجد به ألف وربعمائة وأربعون دقيقة، والدقيقة من الزمن يمكن أن يفعل فيها خير كثير وينال بها أجر كبير، فإن دقيقة واحدة فقط يمكن أن تزيد في عمرك، في عطائك، في فهمك، في حفظك، في حسناتك، وكما أن ساعة من وقتك تستطيع فيها أن تمسح عبرة يتيم أو تعين عاجزا أو تغيث ملهوفا،أو تصل رحما أو تقرأ جزءا من القرآن أو تصلي ركعات، فكم تساوي بمقياس البشر، وكم تساوي بمقياس الآخرة ؟ وإياك والفارغين قاتلي الأوقات.
وابحث عن دواء يمنع عدواهم فإنه لا قيمة للوقت عندهم ولا قيمة للفارغين في الحياة وبين الناس والفارغين أحرى الناس أن يُحشروا مفلسين لا حصاد لهم إلا البوار والخسران، وقف مع نفسك وقفة تدبر فيها قول الله تعالى ” وأن ليس للإنسان إلا ما سعي” وإنه ينبغي علي العبد أن يستغل الوقت أفضل الإستغلال لأن الوقت هو العمر، فعليك أيها الإنسان أن تستيفد من الوقت الضائع كوقت انتظار وسائل المواصلات أو طبيب، وغيّر من طبيعتك وأنظر لعاداتك القديمة وتخلى عن ما هو مُضيع لوقتك ولا تعود نفسك على عادة معينة بل عليك أن تعتقد أنك تستطيع أن تغير من روتينك اليومي كما تشاء، فتوقف عن أي نشاط غير منتج ومفيد في دنياك أو آخرتك، وإياك والغفلة فهي مرض خطير أفقد الكثير الحس الواعي بالأوقات واغتنامها ،واشتغلوا بالملهيات والشهوات حتى فاجأهم هادم اللذات، وإياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك.
ولا تضمن أن تعيش إلى الغد، وإن ضمنت حياتك إلى الغد فلا تأمن المعوقات من مرض طارئ أو شغل عارض أو بلاء نازل، فبادر باغتنام أوقات عمرك في طاعة الله،وفعل ما ينفعك، وأسأل نفسك دائما ما الذي أستطيع فعله لاستغلال وقتي الآن، فقد قال المُحاسبي رحمه الله والله لو كان الوقت يشترى بالمال لأنفقت كل أموالي غير خاسر أشتري بها أوقاتا لخدمة الإسلام والمسلمين فقالوا له فممن تشتري هذه الأوقات؟ فقال من الفارغين، فلا تكن عاقا، فإنه عقوق الأيام بعدم اغتنامها فيقول ابن مسعود رضي الله عنه ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي، ويروى عن حكيم قوله من أمضى من عمره يوما في غير حق قضاه أو فرض أداه أو حمد حصله أو خير أسسه أو علم اقتبسه فقد عقّ يومه وظلم نفسه، وبعد فوات الأوان تريد بر أبيك وأمك وقد فارقا الحياة، وبعد فوات الأوان تريد أن تختم سورة الكهف يوم الجمعة.
ولم يتبقي على أذان المغرب سوى خمس دقائق، وبعد فوات الأوان تريد أن تصلي الفجر والشمس توشك أن تشرق، وبعد فوات الأوان تذاكر والامتحان بعد ساعة، وأخيرا وبعد فوات الأوان تريد أن تتوب وقد بلغت الروح الحلقوم وداهمتك الغرغرة وزارك ملك الموت.



