صحف وتقارير

أوروبا الخائفة هل تضحي القارة العجوز بأجزاء من أوكرانيا لتأمين وحدتها الداخلية؟!

دكتور احمد ابراهيم حنفي 

 

تقف القارة الأوروبية اليوم عند أحد أكثر المنعطفات التاريخية خطورة وتعقيدا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حيث تتداخل الحسابات الجيوسياسية المعقدة مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة لتضع متخذي القرار في عواصم الغرب أمام خيارات أحلاها مر ومع استمرار النزاع المسلح في أوكرانيا وتحوله إلى حرب استنزاف طويلة المدى بدأت ملامح التعب والإرهاق تظهر بشكل جلي على البنية السياسية والاجتماعية للدول الأوروبية مما يطرح تساؤلا جوهريا ومقلقا حول مدى قدرة هذه الدول على الصمود خلف شعارات الدعم المطلق لكييف دون السقوط في فخ التفكك الداخلي أو مواجهة اضطرابات شعبية قد تعصف بالنظم الديمقراطية المستقرة

إن فكرة التضحية بأجزاء من الأراضي الأوكرانية لصالح روسيا مقابل تحقيق سلام دائم أو مؤقت لم تعد مجرد همسات في أروقة الغرف المغلقة بل تحولت إلى نقاشات شبه علنية يغذيها صعود التيارات اليمينية والقومية المتطرفة في مختلف أنحاء القارة العجوز هذه التيارات نجحت في توظيف المخاوف الشعبية من التضخم وارتفاع أسعار الطاقة وتراجع مستويات المعيشة لتقدم للمواطن الأوروبي سردية مفادها أن الاستمرار في تمويل حرب لا ناقة له فيها ولا جمل هو انتحار اقتصادي واجتماعي ومن هنا يبدو أن الهاجس الأكبر للعديد من القادة الأوروبيين لم يعد متمثلا في كيفية هزيمة موسكو عسكريا بل في كيفية الحفاظ على السلم الأهلي والتماسك المجتمعي داخل حدودهم

تتجلى هذه المعضلة في التباين الواضح بين المواقف المعلنة والممارسات الفعلية فبينما تستمر التصريحات الدبلوماسية في التأكيد على السيادة الأوكرانية الكاملة ورفض أي تنازلات ترابية تشير التحركات على الأرض وبطء وتيرة المساعدات العسكرية الحيوية إلى رغبة ضمنية في دفع الأطراف نحو مائدة المفاوضات حتى لو كان الثمن قضم أجزاء من الشرق الأوكراني إن القارة التي عانت ويلات الحروب المدمرة تدرك تماما أن استمرار الاستنزاف قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي شامل يفجر الاحتجاجات العمالية ويزيد من حدة الانقسامات بين دول الشرق القريبة من الخطر الروسي ودول الغرب التي تشعر بأمان نسبي وتريد الالتفات لمشكلاتها الداخلية

علاوة على ذلك يمثل العامل الأمريكي عنصرا حاسما في صياغة هذا الخوف الأوروبي فالتقلبات السياسية في واشنطن والخشية من تراجع الدعم الأمريكي لأوكرانيا يضعان أوروبا في موقف لا تحسد عليه حيث تجد نفسها عاجزة عن تحمل أعباء هذه الحرب بمفردها عسكريا أو ماليا هذا الواقع الجيوسياسي المرير يفرض على العواصم الكبرى مثل باريس وبرلين التفكير في سيناريوهات واقعية تتضمن تسويات إقليمية مؤلمة كسبيل وحيد لتجنب سيناريو أسوأ يتمثل في مواجهة مباشرة مع روسيا أو انهيار اقتصادي يطيح بالاتحاد الأوروبي من الداخل

في نهاية المطاف يبدو أن مفهوم الوحدة الداخلية في القارة العجوز بات يتقدم تدريجيا على مبادئ القانون الدولي والعدالة الأخلاقية التي تم رفعها في بداية الأزمة والسياسة الواقعية تفرض نفسها بقوة حيث يرى الكثير من المنظرين أن الحفاظ على استقرار الاتحاد الأوروبي وتأمين مستقبله الاقتصادي يستحق تقديم تنازلات جغرافية بعيدة عن حدوده المباشرة مما يجعل أوكرانيا تواجه ضغوطا متزايدة من حلفائها قبل أعدائها للقبول بواقع جديد قد يغير خارطة القارة إلى الأبد ويعيد صياغة مفهوم الأمن الجماعي في العصر الحديث على حساب تضحيات إقليمية مؤلمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock